مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٥٠
على أحدهما فإن تقييد الصوم لا يوجب تقييد الوجوب و تقييد الوجوب سواء كان بحدوث الإقامة أو بقائها يوجب تقييد الصوم و لو معنى على ما عرفت إذ لا يمكن تحقق الصوم بدون الإقامة حينئذ و فيما إذا كان وجه الاشتراط متعددا كأن يكون الشرط ما يحتمل الاشتراط في الهيئة هو الحدوث و في المادة هو البقاء فالحكم في هذه الصورة هو التوقف لأن تقييد المادة كما عرفت لا يوجب تقييد الهيئة و تقييد الهيئة أيضا لا يوجب تقييد المادة لكن بالنسبة إلى استمرار وجود ذلك القيد المحتمل و أما بالنسبة إلى حدوثه فالتقييد و لو معنى لازم كما لا يخفى حينئذ فيمكن التمسك بإطلاق المادة ففي المثال المذكور يحكم بوجوب الصوم و لو بعد ارتفاع الإقامة و يحكم بوجوب الحج و لو بعد ارتفاع الاستطاعة و أما عكس هذه الصورة فالتقييد أيضا لازم كما لا يخفى أقول و يمكن الحكم بعدم التوقف في الجميع لأن التقييد و لو في وقت ما لازم فتأمل فإن المقام من مضطرب الأفهام المورد الثاني فيما إذا كان الدليل الدال على الوجوب لبيّا كالإجماع و الشهرة على القول بها فهل الأصل هو الإطلاق أو الاشتراط فنقول إن المادّة في ذلك مختلفة باختلاف صور الشك فإن أحكام الشك متفاوتة في الشريعة فتارة يجب الأخذ بالاشتراط كما إذا ثبت في وجوب شيء إجمالا مع القطع بعدم اشتراطه باستمرار الشيء المشكوك اشتراطه حدوثا في المأمور به لأن عند عدم الشرط يرجع الشك في الحقيقة أن ثبوت التكليف مع عدم ما يقضي به و الأصل في المقام البراءة إلا أن بعد الوجود لا بد من الإتيان بالواجب و إن طرأ له العدم لأن المفروض حصول العلم بعدم اشتراط الواجب ببقائه و أن حدوثه يكفي في ثبوت التكليف نعم لو شك في اشتراطه ببقائه أيضا فعند عدم الشرط و لو كان عدمه حادثا بعد وجوده فالأصل أيضا البراءة لرجوعه إلى الشك في نفس التكليف لكن ذلك يتم بناء على ما هو التحقيق من عدم صحة الاستناد إلى الاستصحاب في مثل المقام لاختلاف القضية المشكوكة مع القضية المعلومة و أما بناء على مذاق القوم من أن أمر الاستصحاب في وحدة القضية موكول إلى العرف و يكفي في وحدة الموضوع اتحاده العرفي فالمورد حينئذ من موارد الاستصحاب و لا يعارضه أصالة البراءة كما قررنا في محله و تارة يشك في كون الشيء شرطا للوجوب حدوثا أو شرطا للوجود بقاء فعند عدم ذلك الشيء لا إشكال في الأخذ بالبراءة إذا لم يكن مسبوقا بالوجود و أما بعد الوجود فمع بقائه أيضا لا إشكال في الوجوب و أما مع عدمه ثانيا فهل يجب إيجاده في المأمور به أو لا وجهان مبنيان على الأخذ بالبراءة أو الاشتغال فيما إذا شك في اشتراط الواجب بشيء و نحن حيث رجحنا القول بالبراءة في محله فلا يجب إيجاده ثانيا في المأمور به و التفصيل موكول إلى محله و تارة يعلم الاشتراط في الجملة و لكن لا يدرى المشروط به فلا إشكال قبل الوجود لأن الأصل الاشتراط و البراءة و بعد حدوثه فالحكم ما عرفت من رجوع الأمر إلى الشك في الجزئية و الشرطية فيما إذا انعدم ثانيا و تارة يشك في اشتراط الواجب بشيء مع كون نفس الواجب من أطراف العلم الإجمالي كما إذا علمنا إجمالا بوجوب الظهر و الجمعة مع الشك في اشتراط الأخير بوجود الإمام عليه السلام و لا بد من الأخذ بالاحتياط و الجمع بين الصلاتين و لا وجه لإعمال البراءة لأن الأصول العملية مما لا حكم لها في قبال العلم الإجمالي و قد يقال بأن العمل بالبراءة في أحد أطراف العلم الإجمالي مما لا ضير فيه إذا لم يكن العمل بها من حيث الشك الموجود في أطراف العلم الإجمالي كما في المقام فإن إعمال البراءة في صلاة الجمعة ليس من حيث إنها واقعة في أطراف العلم الإجمالي بل من حيث الاشتراط بشيء و عدمه فتأمل فكيف كان ففيما إذا كان الدليل غير اللفظ لا بد من الاقتصار على المعلوم في مقام الاجتهاد و العمل بالأصول المشهورة في الشريعة للشاك على حسب مواردها و لا يخفى أن إطلاق الدليل كما يعتبر في جانب الواجب فكذلك يعتبر بالنسبة إلى الدليل الدال على الاشتراط عند الشك في وجوه الاشتراط هداية قد عرفت في تضاعيف ما قدّمنا القول فيه أن المقدمات الوجودية للواجبات المشروطة مما يتصف بالوجوب على نحو اتصاف ذيها به و قضية ذلك عدم وجوب الإتيان بها قبل وجوب الإتيان بذيها إذ لا يعقل أن يكون المقدمة أعلى شأنا من ذيها كأن يكون موردا للوجوب التخييري من دون اتصاف ذيها بالوجوب التخييري و مع ذلك فقد يظهر منهم في موارد مختلفة الحكم بوجوب الإتيان بالمقدمة قبل اتصاف ذيها بذلك كحكمهم بوجوب الغسل قبل الصبح و ليالي رمضان و قولهم بوجوب السعي إلى الحج قبل أن يهل هلال ذي الحجة و حكمهم بوجوب تحصيل العلم بأجزاء الصلاة و شرائطها قبل دخول الوقت و حكمهم بوجوب حفظ الماء و إحرازه للعالم بتعذره له بعد دخول وقت الصلاة كما هو صريح الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح على ما حكي عنه و حكمهم بوجوب معرفة القبلة لمن حاول المسافرة إلى البلدان النائية كما يظهر من الشهيد الثاني فيما حكي عن الروض و منها حكمهم بوجوب تعليم مسائل القصر و الإتمام للمسافر إلى غير ذلك من الموارد التي يظهر جملة منها المتتبع في مطاوي كلمات الفقهاء و لهم في التفصي عن هذه العويصة طريقان الأول ما سلكه بعض أعاظم المحققين في تعليقاته على المعالم و لعله تبع في ذلك غيره و ملخصه أن وجوب الإتيان بهذه المقدمات ليس من حيث استلزام وجوب ذيها وجوبها كما هو المراد بوجوب المقدمة بل وجوبها نفسي و إن كانت المصلحة في وجوبها النفسي إمكان التوصل بها إلى ذيها قال فيما حكي عنه أن فسر الوجوب الغيري بما يكون وجوب الفعل منوطا بوجوب غيره و حاصلا من جهة حصوله من غير أن يكون له مطلوبية بحسب ذاته بل يكون مطلوبيته لأجل مطلوبية غيره لم يتعلق وجوبه الغيري قبل حصول الوجوب النفسي للغير لتفرع حصوله على حصوله و تقويه به و إن تعلق به أمر أصلي و إن فسر الوجوب الغيري بما لا يكون المصلحة الداعية إلى وجوبه حاصلة في نفسه بل يكون تعلق الطلب له لأجل مصلحة يحصل بفعل غيره لا يجوز لتفويت