مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٥
و عدم صحة السلب و غير ذلك من خواصه و لو كان مشتركا بين الصحيح و الفاسد يقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة و انقسامه إلى الصحيح و الفاسد أعم من الحقيقة انتهى أقول دعوى وضع ألفاظ المعاملات لخصوص ما أمضاه الشارع و حكم بترتيب أثر المقصود منها عليها ينافي ما استقر عليه ديدن أهل العلم كافة من التمسك بعموم ما دل على مشروعية المعاملة عند الشك فيها أو في اعتبار أمر لا دليل على اعتباره فيها حتى أن الشهيد قد ملأ الأساطير من ذلك بل و لو لا لما دار رحى الفقه كما لا يكاد يخفى على المستأنس بكلامهم و قد ادعى الفاضل الإجماع على جواز التمسك بعموم قوله تعالى و أحل اللّه البيع و أما ما استند إليه من التبادر فربما يكون منشؤه على تقدير التسليم هو ما ذكره المحقق و العلامة من دعوى الانصراف فلا بد أن يكون مستندا إلى غير اللفظ إما بواسطة الارتكاز في أذهان المتشرعة من حمل الفعل الصادر عن الفاعل على الصحة كما لعله هو الوجه في بعض الموارد أو غيره و يشهد بما ذكرنا من منع التبادر أنه لو نذر أن لا يبيع الخمر فباعه لا يعقل دعوى تبادر الصحيح منه مع حصول الحنث معه فتأمل و قد تصدى بعض المحققين في تعليقاته على المعالم لدفع التنافي و أطال في بيانه و ملخّصه أن المراد من كون أسامي المعاملات موضوعة للصحيحة أن المعنى العرفي أيضا هو الصحيح لا أنها أسام للصحيح الشرعي الّذي لازمه الإجمال و يكون موقوفا على بيان الشارع و إنما يكون إطلاقها على الفاسدة من باب المشاكلة و نحو من المجاز فلا اختلاف بين الشرع و العرف في أصل المفهوم و المعنى غاية الأمر أن العرف ربما يزعمون صدق ذلك المعنى و المفهوم على أمر ليس ذلك مصداقا له في الواقع يكشف عنه الشارع فالاختلاف إنما هو في المصداق الشرعي و العرفي بعد الاتفاق على نفس المعنى و المفهوم و حينئذ فإذا ورد من الشارع أمر بإمضاء معاملة من تلك المعاملات على وجه الإطلاق من دون ملاحظة قيد من القيود يحكم بالمشروعية عند الشك على وجه الإطلاق من دون حزازة و لا محذور و فيه أولا أن ما ذكره مخالف لصريح كلام الشهيد كما لا يخفى على الناظر فيه و توضيحه أن الفاسد العرفي هو ما يصح عنه سلب الاسم حقيقة كبيع الهازل فإنه ليس بيعا عندهم و إنما إطلاقه عليه بنحو من المشابهة الصورية مثلا و أما الفاسد الشرعي كبيع الخمر و بيع المنابذة و الحصاة فهو بيع عند أهل العرف حقيقة و الفاسد في كلام الشهيد إنما يراد به الفاسد الشرعي دون الفاسد العرفي و هو في غاية الظهور و ثانيا أن التوجيه المذكور لا ينهض بدفع الإشكال بوجه و بيانه أن الوجه في الرجوع إلى متفاهم العرف عند إطلاق الألفاظ الواردة في المحاورات إمّا لتشخيص المفاهيم العرفية و اللغوية من حيث إن أنظارهم يكشف عن حقيقة المسمى و واقع المعنى و المفهوم عند طروّ ما يوجب نحوا من الإجمال في المفهوم و إما لتشخيص موارد تلك المفاهيم و مصاديقها و الاشتباه في المصاديق قد يكون تابعا للاشتباه في المفهوم من حيث إن المفهوم قد عرضه نحو من الإجمال على وجه يمكن استعلامه بعد تلطيف المنظر و تدقيقه و قد لا يكون كذلك للعلم بحقائق تلك المفاهيم على ما هي عليها في الواقع و إنما المجهول وجود ذلك المفهوم المعلوم في المورد الخاص و ذلك منحصر فيما إذا اشتبه المورد بغيره بواسطة عروض حالة خاصة كما إذا اشتبه الرجل بالمرأة لعارض الظلمة أو نحوها و لا نعقل وجها آخر للاشتباه في المصاديق غير ذلك بعد العلم بالمفهوم على ما هو عليه في الواقع فالموجّه إما يعترف بعدم الإجمال في المفهوم بوجه من الوجوه أو يلتزم بالإجمال على وجه لا يرتفع إجماله بالرجوع إلى العرف فعلى الأول لا وجه لعدم الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق فإن قلت إن الشارع إنما يحكم بخطإ العرف في الحكم بوجود ذلك المفهوم المعلوم عندهم في ذلك المورد و المصداق قلت ذلك يجدي فيما إذا تبدل حكم العرف بعد كشف الشارع عن الخطاء مثل حكمه بخطاء العرف في اعتقادهم طهارة الكافر و نظافته لاحتمال أن يكون هناك قذارة معنوية يطلع عليها الشارع دون غيره و أما إذا لم يتبدل الاعتقاد و كان حكمهم بوجود المصداق بعد الكشف مثل حكمهم به قبل الكشف كما في البيع بالفارسية إذ لا فرق قطعا في صدق البيع بدون الشرائط المقررة بعد العلم بحكم الشارع باعتبارها و قبله و ليس الفاقد الشرعي كبيع الهازل في نظر العرف قطعا فلا وجه لما ذكره بل لا بد من الالتزام بأن الفائدة للشرائط الشرعية من حقيقة البيع لكن وجوب الوفاء بالعقد يختص بواجدها فيكون ذلك خروجا حكميا و على الثاني فلا وجه للرجوع إلى العرف أصلا بل المعنى حينئذ ملحق بالمفاهيم المجملة التي لا مسرح للعرف فيها و قد فر الموجه منه سلمنا إمكان وقوع الاشتباه في المصاديق بعد العلم بالمفهوم من غير الجهة التي فرضناها و مع ذلك فلا ينهض قول الموجه دافعا للإشكال إذ بعد فرض اختلاف نظر الشارع و العرف في تشخيص المصداق لا وجه للتمسك بالإطلاق إذ غاية ما هناك حكم العرف بوجود ذلك المفهوم في المورد المشكوك على ما وصل إليه أنظارهم و هو لا يجدي بل لا بد أن يكون ذلك مصداقا في نظر الشارع و لا دليل على أن ما هو المصداق العرفي هو المصداق الشرعي كما هو المفروض فاللازم تحصيل معيار شرعي لا مدخل للعرف فيه لأجل التشخيص المذكور فإن قلت إن الرجوع إلى الإطلاق إنما هو لأجل تحصيل ما هو المصداق واقعا و حيث إنه لا يمكن الوصول إلى الواقع من دون أن يكون اعتقاد المكلف طريقا إليه كما يظهر ذلك بملاحظة ما لو جعل الشارع أيضا معيار التشخيص المصداق فإن وجود ذلك المعيار الشرعي أيضا منوط بنظر العرف دفعا للتسلسل فلا بد أن يكون لاعتقاده مدخل فيه فما لم يعلم من الشارع الحكم بخطاء العرف فهم يعتقدون أنه هو المصداق الشرعي و يجب عليهم إجراء أحكامه عليه قلت ذلك يتم فيما إذا اتحد نظر العرف و الشرع في التشخيص و