مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٤٨
ستعرف المراد من تقييد الهيئة و إلا فعلى ما ذكرنا سابقا لا وجه للقول بتقيد الهيئة إذ لا يتصور في مفاد الهيئة إطلاق كما عرفت و بالجملة ففيما إذ أدار الأمر بين المتباينين لا يصح التمسك بالإطلاق لعوده إلى الترجيح من دون ما يقضي بذلك فإن قلت إن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة من دون عكس فتقييد المادة أولى لقلة التقييد على تقديره قلت ذلك يتم بناء على ما احتملنا من رجوع المقدمة الشرعية إلى المقدمة العقلية و أما على المشهور فلا وجه لذلك و سيجيء ما يفيدك توضيح هذا المقال بتوفيق اللّه و هدايته هداية إذا ثبت وجوب شيء و شك في كونه مشروطا أو مطلقا بملاحظة أمر من الأمور المحتملة لذلك فهل الأصل الإطلاق أو الاشتراط أو فيما إذا كان الوجوب ثابتا باللفظ فالأول و فيما كان من الوجوه الراجحة إلى غير اللفظ فلا بد من التعلق بما هو قضية الأصول العملية في مواردها وجوه أقواها الأخير كما ستعرف وجهه و توضيح المقال في موردين الأول فيما إذا كان الدليل لفظيا فنقول إذا تعلق الأمر بشيء فهناك وجوه أحدها أن يكون الأمر غير معلق على صفة مع إطلاق الفعل المأمور به كأن يكون الأمر مطلقا مادة و هيئة نحو قولنا أكرم رجلا فإنه ليس في المقام ما يحتمل رجوعه بحسب القواعد العربية إلى الهيئة ليكون قيدا للأمر بحسب ما هو الظاهر و إن كان راجعا إلى تقييد المادة كما عرفت و لا ما يحتمل أوله إلى المادة فعند الشك في قيد سواء كان قيّد للوجوب أو للفعل يجب التمسك بالإطلاق في دفع الشك كما هو الشأن في الأخذ بالإطلاق عند احتمال التقييد فيما إذا كان المطلق في مورد البيان حذرا من الإغراء بالجهل القبيح فيحكم العقل بملاحظة ذلك بوجوب إكرام الرجل سواء طار الغراب أو جرى الميزاب أو مطرت السحاب أم لا فإنه لو كان الواجب هو وجوب إكرامه عند حدوث حادثة خاصة كان على المتكلم الحكيم إيراد لفظ يكون وافيا بتمام مقصوده لا التكلم بما لا يفيد إلاّ بعضا منه و ذلك ظاهر في الغاية فيجب على المكلف حينئذ إيجاد المقدمات الوجودية للإكرام و تحصيل المأمور به من دون حالة منتظرة من الأمور المحتملة اشتراطه بها هذا على مذاق المشهور القائلين بالاشتراك المعنوي و أما على ما هو المنسوب إلى السيد من الاشتراك اللفظي فيكون اللفظ مجملا لاحتمال إرادة وجوب الإكرام على تقدير خاص من تقادير الفعل المأمور به و عدم البيان لا يقضي بتعين المطلق فإن القرينة المعينة إذا انتفت يصير اللفظ مجملا بلا خفاء في ذلك من غير فرق بين اشتراك اللفظ بين معنيين لا ربط بينهما بالإطلاق و التقييد كما في لفظ العين بالنسبة إلى الذهب و الفضة و بين اشتراكه بين معنيين أحدهما أعم من الآخر كما في لفظ الإمكان فإن انتفاء قرينة الخاص لا يوجب تعيين إرادة العام فإنّ في هذه الملاحظة في عرض الخاص فسقط ما قد ينساق إلى الوهم من أن الاشتراك اللفظي بين الإطلاق و التقييد كما في هيئة الأمر لا يقضي بالإجمال و ثانيها أن يكون الهيئة خالية عما يحتمل رجوعه إليها بحسب القواعد العربية لكن المطلوب فعل مقيد بقيد خاص كما إذا أمر المولى بأداء فعل خاص في مكان خاص كالصلاة في المسجد أو الطواف بالبيت فيجب على المخاطب بخطاب الحج السعي إليه لتحصيل الطواف المأمور به و عند الشك في قيد من القيود الغير الثابتة للمادة فالحكم ما عرفت في الوجه الأول و من ذلك ما إذا شك في اشتراط الوجوب بالقيد المذكور أيضا فإن الأصل في المقام هو الإطلاق أيضا و تحقيق ذلك أن وجوه مصالح الفعل بناء على ما هو التحقيق عندنا من اختلاف الحسن و القبح في الأفعال الاختيارية بالاعتبارات مختلفة فتارة يكون الفعل مع قطع النظر عن التكليف به حسنا مقتضيا للأمر به أو قبيحا موجبا للنهي عنه و تارة يكون الفعل على وجه لو أمر به و أتى به المكلف امتثالا لأمر المولى صار حسنا و حيث إنه لا يعقل الأمر بالفعل أولا على ذلك الوجه فما يحمله في إيصال المكلف إلى المصلحة المكنونة في الفعل على الوجه المذكور أن يأمر بالفعل أولا تحصيلا لموضوع الفعل الحسن ثم تنبيه المكلف بأن يأتي بالفعل المذكور على وجه الامتثال و تارة يكون الفعل حسنا على تقدير عدم الإلزام به فيختلف حكمه بحسب اختلاف مراتب عدم الإلزام و قد يكون الفعل المقيد بقيد ذا مصلحة ملزمة على وجه يكون متعلق التكليف كلاهما و قد يكون ذا مصلحة لكن على تقدير وقوع القيد لا على وجه التكليف ففي كل من هذه الصور ينبغي للحكيم عن أن يعبر عن المقصود بلفظ يكون وافيا لمقصوده فيستكشف من اختلاف التعبيرات بعد ما عقلنا اختلاف المعاني أن مقصود المولى هو ما يمكن أن يكون مفاد ذلك التعبير بحسب القواعد الثابتة في اللغة و إذ قد عرفت ذلك فنقول إن الأمر إذا كان مشروطا بشرط كما إذا قيل إن جاءك زيد فأكرمه أو إن دخلت الدار فافعل كذا أو إن استطعت فحج مثلا فيستفاد منه وجوب الفعل المتعقب بالشرط المذكور و حيث إن الدال عليه هو حرف الشرط المستفاد منه في العرف و اللغة العلقة الذاتية بين وجود الشرط و المشروط و بين عدمهما فنقول إن الواجب هو ذلك الفعل عند حصول الشرط فلا يجب عند عدمه بمقتضى اللفظ فيكشف ذلك من وجود المصلحة في الفعل المقيد بالقيد المذكور مطلقا بمعنى أن عدم التكليف مما لا مدخلية له في إيراث الفعل حسنا فيكون من المقدمات الوجودية و يجب تحصيلها عند إرادة امتثال تكليف ذيها فالأمر لا بد أن يكشف عن مقصوده في جميع هذه المراتب بلفظ قابل لذلك المطلب و ذلك ظاهر ففيما نحن بصدده نقول إن تقييد المأمور به ثابت و تقييد الأمر ليس ثابتا و الأصل عدمه و لا ينافي ذلك ما قلنا من أن قيد الأمر يرجع إلى المأمور به فإن المقصود بالأصل المذكور هو ما عرفت من أن التقييد ثابت على الوجه الذي لا يستفاد منه عدم الوجوب عند عدم القيد كما في الجمل الشرطية أو فيما يقوم مقامهما في الإفادة المذكورة بل المستفاد منه هو الوجوب المطلق التابع للمصلحة على وجه الإطلاق