مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٣٠١
الأفضل فتخير بينه و بين المفضول و بها يخرج عن حكم الأصل القاضي بالاقتصار على الأفضل و جوابها بعد الغض عما في دلالتها على جواز أصل التقليد من المناقشات الواضحة المتقدم إلى جملة منها الإشارة أنه ليس في شيء منها دلالة على مساواة الأفضل و المفضول عند اختلافهما في حكم المسألة لا من حيث الإطلاق و لا من حيث العموم و لا من حيثيات أخرى فإن منها ما ورد في مقام جعل طائفة من العلماء مرجعا للجهال القاصرين عن إدراك معالم الدين بأنفسهم فلا يدل إلا على انحصار الحجة في هذه الطائفة و عدم جواز الرجوع إلى غيرهم و أما أن كل واحد منهم حجة مطلقا أو عند فقد المعارض فهو بمعزل عن بيان ذلك و من هذا القبيل قول اللّه عز و جل فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فإن إضافة اسم الجمع إلى الجمع لا يفيد إلا تعلق الحكم بجنس الجمع فلا يستفاد منها إلا ثبوت الحجية لجنس العلماء حتى لو احتملنا اشتراط اتفاقهم في أصل المرجعية و أنهم إذا اختلفوا كان المرجع غيرهم لم يكن دفع هذا الاحتمال بالإطلاق أو العموم فضلا عما لو التزمنا بالحجية عند الاختلاف و احتملنا ترجيح أحد المتخالفين على الآخر باعتبار ما فيه من المزية التي ليست في الآخر أ لا ترى أنه إذا قيل للمرضى ارجعوا إلى أهل الطب في مقام بيان المرجع لم يستفد منه إلا عدم جواز الاستعلاج من غير هذا الجنس بحيث لو اختلف الأطباء في المعالجة فربما يتوقف حينئذ في أصل مرجعيتهم رأسا فضلا عن مرجعية كل واحد على سبيل التخيير و هذا مثل المطلقات الواردة في بيان حكم آخر التي لا يرتفع منها شيء من جهات الشك و يؤيده أن السؤال ثانيا عن حكم اختلاف المرجع حينئذ ليس مما علم جوابه من الحكم الأول بحيث لو حكم بعدم كونهم مرجعا رأسا أو بمرجعية خصوص أحد المتخالفين عينا لم يكن منافيا لما تقدم من الأمر بالرجوع إليهم كما لا يخفى و منها ما دل على وجوب الرجوع إلى كل واحد واحد عينا على قيام العام الأصولي فيستفاد منه أن كل واحد من العلماء حجته شأنية لو لا المعارض و أما معه فلا دلالة فيه أيضا على حكم لأن الحكم بدخول المتعارضين معا تحته ممتنع و تعين أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح مثل ما إذا وجب إنقاذ كل غريق عينا و وقع المزاحمة بين الإنقاذين فإن الدليل الدال على إنقاذ الغرقى مما لا سبيل إلى تناوله لهما معا و لا لأحدهما المعين بل الغير المعين فيرجع الأمر في الترجيح أو التخيير إلى ما رآه العقل و قد عرفت فيما تقدم آنفا أن شغل العقل في مثل هذا التخيير الوقوف عند ما يحتمل رجحانه على الآخر و لو سلم حكمه بالتخيير حينئذ فهذا خروج عن الاحتجاج بالإطلاقات كما لا يخفى و من هذا الباب آية النفر و آية الكتمان و قول الحجة صلوات اللّه عليه و عجل اللّه فرجه في التوقيع الشريف فارجعوا إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه فإن قضية الآيتين وجوب الحذر و القبول عقيب كل إنذار و إظهار و كذا قوله عليه السلام فإنهم حجتي يدل على حجية كل واحد من الرواة عينا بحسب الشأن الملحوظ فيه عدم المعارض و أمّا معا فلا يستفاد حجية أحد المتعارضين منه تعيينا و لا تخييرا نعم يحكم العقل فيه بالتخيير إذا علم بالتساوي في الاهتمام و بالجملة هذا القسم و القسم الأول لا يتفاوتان في إفادة التخيير الشرعي بين الحجتين المتعارضتين حتى يتناولا بإطلاقهما موضع النزاع أعني تعارض الأفاضل و المفضول و منها ما لا يأبى عن الدلالة على التخيير الشرعي بينهما في نفسه لو لم يكن قد ورد في مقام بيان حكم آخر فالفرق بينه و بين الأولتين أنهما قاصرتان عن إفادة التخيير شأنا بخلاف هذا القسم فإن له أهلية لذلك لو كان المقام مقتضيا له و من هذا القبيل قوله عليه السلام في خبر أبي خديجة المتقدم إليه الإشارة و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا إلى آخره فإن إطلاق الرجل يتناول كل واحد من المتعارضين فيكون دليلا على التخيير الشرعي فإن امتثال الأوامر المطلقة يحصل بإتيان بعض الأفراد مخيرا بينها لأن قاعدة الإطلاق و قبح الإغراء بالجهل يقتضيان البناء على التخيير في مقام الامتثال و لا ينافي كونه تخييرا شرعيّا تسميته تخييرا عقليا أيضا لأن المراد به استناد التخيير إلى حكم العقل المستند إلى الإطلاق و قبح الإغراء بالجهل و مثله ما في مقبولة عمر بن حنظلة لكن انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا إلى آخره و قول العسكري صلوات اللّه عليه في رواية الإحتجاج المروية عن تفسيره عليه السلام و أما من كان من الفقهاء صائنا لدينه و حافظا لنفسه كاسرا لهواه تابعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه فإن الظاهر من الموصول جنس للفرد دون الجمع أو الاستغراق و المعنى أن للعوام تقليد أحد من الفقهاء الموصوفين بالأوصاف المزبورة و هذا يشمل بإطلاقه صورة الاختلاف كما مر و روي أن أبا الحسن عليه السلام كتب جوابا عن السؤال عمن يعتمد عليه في الدين اعتمدا في دينكما على كل من في حبّنا كثير القدم في أمرنا و هذا أيضا يدل على التخيير مثل قوله انظروا إلى رجل لأن الاعتماد على كل واحد من أفراد الرجل عينا لا يجوز الأمر به جدا فينزل على التخيير و الجواب عن هذه الأخبار و نحوها مما يشاركها في إفادة التخيير أنها قد وردت نهيا عن الرجوع إلى فقهاء المخالفين و رواتهم و حكامهم فلا يستفاد منها سوى جعل فقهاء الشيعة مرجعا لعوامهم لعدم ورودها على هذا التقدير في مقام بيان الحجية العقلية حتى يتمسك بإطلاقها بل في مقام تشخيص طائفة المرجع من غيرها في الجملة و مما يدل على ذلك أن عمر بن حنظلة سأل ثانيا عن حكم صورة الاختلاف فقال فإن اختار كل منهما أي المتحاكمين رجلا من أصحابكم فاختلفا في حكمكم إلى آخره إذ لو كان في قوله انظروا إلى من كان منكم إطلاق متناول لصورة التعارض لم يكن بهذا السؤال ثانيا وجه و لكان تعيين الإمام عليه السلام الأعدل و الأفقه عند المعارضة مخصّصا و لا يذهب إليه ذاهب و أولى بعدم الإطلاق من الجميع ما في رواية الإحتجاج الواردة في مقام بيان الفرق بين علماء اليهود و علمائنا لا في مقام بيان التكليف الفعلي المحتاج إليه لأن الرجل السائل كان يعلم أن تكليف عوامنا هو الرجوع إلى علمائنا أشكل عليه ذم اللّه تعالى