مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٩٥
المجتهد بها أو بدعوى كونه مظنون المجتهد في أحد الأزمنة أو كونه ظن المجتهد سواء كان حيا أو ميتا مع دعوى بقاء الظن بعد الموت فمع قيام أدلة واضحة على بطلان كل من هذه الاحتمالات كما ظهر طائفة منها من تصانيف الكلمات الماضية نقول مماشاة إن هذه الدعاوي ليست مما قام على شيء منها دليل واضح بل مقتضى أدلة التقليد كون الموضوع ما قلنا من ظن الحي و لو من جهة التمسك بالأصل الذي قد عرفت عدم قيام دليل وارد عليه فغاية ما في الباب صيرورة حكم السابق مشكوكا و قد قررنا و اخترنا في محله عدم حجية الاستصحاب عند الشك في الموضوع و منها ظواهر الآيات و الأخبار الدالة على جواز التقليد فإن المستفاد منها ثبوت الحكم المقلد فيه في زمن المقلد إذ لم يشترط في وجوب الحذر الإنذار و المدلول عليه بآية النفر بقاء المنذر و لم يقيد إطلاق الأمر بالتعويل على أقوال العلماء بصورة بقائهم و فيه أولا منع دلالتها على أصل التقليد و سند المنع بالنسبة إلى كل واحد منها قد مر سابقا و ثانيا منع إطلاقها بالنسبة إلى صورة البقاء و عدمه لأن ما عدا آية النفر لا يدل على وجوب قول العالم إلا من باب الاستلزام العرفي من حيث إن الأمر بالسؤال و الرجوع إلى العالم لو لم يقصد منه القبول بعد السؤال لكان لغوا و هذا الاستلزام أمر معنوي لا إطلاق فيه بالنسبة إلى شيء من الأحوال فضلا عن حالتي الحياة و الموت و أما آية النفر فغاية ما يفيده ذيلها من قوله لعلّهم يحذرون وجوب القبول من المنذرين الأحياء فأما يدل على اشتراط وجوب الحذر ببقاء المنذرين كما نقول نظرا إلى تقدير الحذر مقدار الإنذار القائم بنفس الأحياء فهو المدعى أو لا يدل على شيء من الاشتراط و عدمه بل على ثبوت الحكم في حال حياتهم في الجملة فإن كان الأول كانت الآية دليلا على اشتراط الحياة و إن كان الثاني فلا بد في إثبات الحكم عند تغير هذه الحالة من التمسك بالاستصحاب الذي قد عرفت جوابه لأن احتمال مدخلية بعض الأحوال في الموضوع ما لم يدفع بالدليل يكفي في عدم جريانه عند تغير تلك الحالة و الحاصل أن الآية إنما تدل على اشتراط الحياة لو ساكتة عنه و على التقديرين يسقط الاستدلال بالإطلاق و ثالثا أنها على فرض دلالتها على جواز البقاء مخصّصة بما سمعت من إطلاق معاقد الإجماعات التي هي على فرض حجيتها يحتج بإطلاقاتها مثل إطلاق الرواية لأن البقاء على تقليد الحي بعد موته عمل بقول الميت و استناد إليه كما هو ظاهر فيندرج تحت ما انعقد على بطلان العمل بقوله من الإجماعات الصريحة أو المستفادة من نفي الخلاف المستظهر بالتتبع مثل ما سمعت عن المسالك و المعالم و ابن جمهور الأحسائي و غيرها و منع كون البقاء على التقليد بعد الموت عملا بقوله مكابرة واضحة فإن العمل بقول الغير في العبادات عبارة عن تطبيقها على ما يقتضيه قوله من الكيفية فالانطباقات العارضة لأشخاص الأعمال المختلفة بتشخّصاتها يصدق على كل واحد منها أنه عمل بقول الغير كما يصدق العمل على كل واحد من معروضات تلك الانطباقات و من هنا يظهر الكلام في الأخذ الذي اشتمل عليه بعض العبائر النافي للخلاف في عدم جوازه من الميت كعبارة الألفية المتقدم إليها الإشارة لأن الأخذ و العمل و الاعتماد و الاستناد و نحوها من الأفعال القابلة للاستمرار مثل القعود و الجلوس ابتداؤها و استمرارها سيان في الاندراج تحت أساميها إذ ليست هي من الأمور الآنية التي انحصر مصاديقها فيما يوجد منها في الآن الأول أ لا ترى أنه لو نهي عن الجلوس في دار الميت وجب عليه الخروج عنها إذا كان قد جلس في ها حال حياة صاحبها و إلى هذا ينظر حكم الفقهاء بالضمان لو انقلبت يد الأمانة إلى العدوان و مما ذكرنا ظهر أيضا فساد ما في الفصول من منع صدق عنوان التقليد على البقاء بدعوى انصرافه إلى الابتدائي أو دعوى كونه حقيقة فيه فإن دعوى الانصراف لا مستند لها من غلبة و نحوها و دعوى التجوز في الاستمراري يدفعها أن التقليد إما عبارة عن نفس العمل أو الأخذ للعمل و قد عرفت استمرار الأخذ أخذ و استمرار العمل عمل مضافا إلى قلة جدوى هذه الدعوى بعد ندرة ما اشتمل على لفظ التقليد من العبارات الظاهرة أو الصريحة في دعوى الإجماع كما قدمنا ذكر طائفة منها في صدر المسألة فإنها بين ما يدل على بطلان العمل و ما يدل على عدم جواز الاستناد و ما يدل على عدم جواز الأخذ نعم في محكي الرسالة المنسوبة إلى الشهيد الثاني أنه لا قائل بجواز تقليد الميت من أصحابنا السابقين و علمائنا الصّالحين فإنهم ذكروا في كتبهم الأصولية و الفقهية قاطعين فيه بما ذكرنا من أنه لا يجوز النقل عن الميت و أن قوله يبطل بموته من غير نقل خلاف أجد فيها و لم أجد غيره ما اشتمل على لفظ التقليد غير ما سمعت من القاساني من نقل الإجماع عن ظاهر الأصوليين على عدم جواز تقليد الميت فإن قلت سلمنا أن البقاء على التقليد تقليد و أن استمرار الأخذ أخذ لكن ندعي أن القول ليس قول الميت بل الحي فإن صدور القول عنه لما كان في حال الحياة فلا جرم من كونه منتسبا إلى الحي إذ الميت ليس بقائل بصدور شيء عنه قلنا فلا معنى حينئذ لقولهم لا يجوز العمل بقول الميت حتى في الابتداء لأن القول ينحصر على هذا التقدير في قول الحي و أيضا لا وجه حينئذ لمنع شمول أدلة التقليد لتقليد الميت ابتداء فإن الأخذ بقول الميت حقيقة أخذ بقول الحي مع أن المفصّلين معترفون بعدم الشمول و الحاصل هذا كله في دلالة الإجماعات و أما اعتبارها و حجيتها في المقام فقد ظهر ما يدل عليه بما لا مزيد عليه من أن هذه الإجماعات الشاهد على صدقها التتبع و اعتراف أمثال الشهيد بأنه لا قائل من أصحابنا السابقين بجواز تقليد الميت يوجب الكشف القطعي أما بدليل دل على دعوى واحد من المعتبرين الإجماع في المسألة فكيف عن هذه الإجماعات المستفيضة و منها السيرة فإن جريان عادة السلف و الخلف على بقاء تقليد المجتهدين بعد موتهم أمر معلوم لا ينبغي أن ينكر و إلا لوصل إلينا العدول لتوفر الدواعي من كثرة ابتلاء