مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٩٤
أحواله و تبدّل آرائه فأفتاه بحكم مستنده النص و الإجماع فعمل به و استمر عليه إلى بعد صلاة المغرب فمات ذلك الفقيه بين الصلاتين فعمل بتلك الفتوى في صلاة العشاء فتكون صلاة المغرب بناء على ما قلتم صحيحة و صلاة العشاء باطلة فنحن نسأل من بطلان هذه الصّلاة الموافق حكمها للنص و الإجماع و لا يستندون في إبطالها إلى شيء سوى موت ذلك الفقيه فحينئذ فاللازم كونه شريكا في الأحكام الشرعية و هذا لا ينطبق على أصولنا نعم يوافق ما ذهب إليه الكوفي حيث يقول في مسجد الكوفة قال علي عليه السلام و أنا أقول يعني خلافا لقوله و أما علماؤنا رضوان اللّه عليهم فإنهم يحكون كلامه و يعملون به فلا تفاوت في اتباع أقوالهم بين حياتهم و موتهم انتهى كلامه رفع اللّه مقامه و فيه من الصراحة في دخول البقاء على تقليد الحي بعد موته تحت النزاع ما ترى إذ لو لا ذلك لكان الاستدلال أجنبيا حيث لا يلزم ذلك إلا جواز تقليد الميت استدامة و مع خروجه عن تحت كلام المانعين كان التقريب ممتنعا و أصرح منه كلام السيد المحقق الكاظميني في شرحه على الوافية حيث تصدى لجواب هذا الدليل بالنقض بما إذا تغ ير رأي المجتهد بين الصلاتين فلو كان البقاء على التقليد خارجا عن محل النزاع غير مشمول لإطلاق كلام المانعين كان أولى تسليم البقاء على التقليد و منع استلزامه ثبوت المدعى أعني التقليد الابتدائي و مثلهما في الصراحة بل و أصرح ما ذكره السيّد أيضا في الشرح المزبور في جواب استدلال المجوزين من العامة بأن موت الشاهد لا يبطل شهادته و كذا فتواه حيث قال أولا إن الشاهد إذا شهد عند القاضي ثم مات قبل الحكم فحكم بعد ذلك بمقتضى تلك الشهادة فليس ذلك من القاضي اعتدادا بقول الميت و شهادته بل بما أصاب من العلم المحرز عنده ثم لما رأى عدم نهوض هذا الجواب في الفرق بين قبول الشهادة و التقليد الاستمراري عدل عنه فقال و أقرب من ذلك و أسلم منه هو أن الكلام في تقليد الميت و اقتفاء أثره و اتباعه فيما ظن و استنبطه لا في اعتبار خبره و ذلك أن الأول قد يعارض بتقليد الميت فيما تناوله حيّا انتهى فإن هذا الكلام في غاية الصراحة في دخول الاستمراري تحت النزاع كالابتدائي و كيف كان فالحق الذي لا ينبغي الارتياب فيه هو القول المشهور من عدم الجواز مطلقا لنا على ذلك أمران الأصل المقرر فيما تقدم بوجوه ثلاثة و إطلاق الإجماعات المزبورة الشاهد على صدقها التتبع في كتب السلف و الخلف على ما سنبين من فساد توهم عدم تناولها للاستمراري مضافا إلى بعض الوجوه المتقدمة مثل انعقاد الإجماع على خلاف الميت دون الحي و مثل دوران حجية قول المفتي مدار ظنه الزائل بالموت على ما اتضح هناك و غيرهما كما يظهر بالتأمل فإن هذه الوجوه على فرض تماميتها شاملة لمحل البحث بل لو سلم عدم تماميتها في نفسها فهي ما تشهد باندراج محل البحث تحت قول المانعين لأن عموم الحجية و إطلاقها دليل على عموم المحجوج له و للقول بالجواز أيضا وجوه منها الاستصحاب و قد يقرر تارة بالنسبة إلى نفس المسألة التي نحن فيها و يقال إن المقلد كان له تقليد مجتهده حال حياته و ارتفاع هذا الحكم بموته غير معلوم و الأصل يقتضي البقاء أو يقال إن المجتهد كان ممن يجوز الاعتماد على قوله و الأصل البقاء إلى القطع بطرو المزيل و هذان الاستصحابان قد ظهر جوابهما فيما تقدم بما لا مزيد عليه من أن الجائز في حق المقلد إنما كان الأخذ بظن المجتهد الحي و إذا مات تغير الموضوع إما لزوال الظن كما حققنا و برهنّا عليه أو لزوال الحياة و تفصيل ذلك مطلوب من هنالك و أخرى بالنسبة إلى الحكم الشرعي الثابت في حقه للواقعة المعينة الفرعية مثل حرمة العصير و نجاسة الغسالة و أمثالهما و يقال إن العصير قد كان محرما عليه قبل موت مجتهده و الأصل بقاء الحرمة لعدم العلم بالمزيل و هكذا الكلام في نجاسة الغسالة و سائر ما قلده فيه من المسائل الفرعية مثل وجوب السورة و نحوها و جوابه أيضا يظهر من التأمل في جواب الأول لأن حرمة العصير في حال حياة المفتي لما كانت مستندة إلى ظنه فلا جرم من زوال موضوعها بالموت و بيان هذا الإجمال زيادة على ما سبقت إليه الإشارة الإجمالية في التقليد الابتدائي أن الحكم الثابت للموضوع كالعصير تارة يكون من جهة كونه عصيرا و أخرى من حيث كونه مما تعلق بحرمة ظن المجتهد الحيّ فإن كان الأول فلا شبهة في جريان الاستصحاب فيه عند الشك في طرو ما يزيله و لكنه منحصر في القطعيات التي نعلم بالحكم الشرعي فيها من ضرورة أو إجماع إذ لا ملازمة بين الظن بالحكم و بين ثبوته في الواقع حتى في نظر الظان إلاّ بعد قيام دليل قطعي يفيد الملازمة التي مرجعها إلى وجوب العمل بالظن تعبّدا و حينئذ فالحكم يدور مدار ذلك الظن الذي دل ذلك الدليل القطعي على اعتباره و إن كان الثاني فإجراء الاستصحاب فيه ممتنع عند تغير الحيثية التي كان الحكم ثابتا للعصير من جهتها لأن المتيقن في الزمان الأول يعني قبل ممات المجتهد إن كان حرمة العصير من حيث كونه متعلق ظن الحي لا من حيث كونه عصيرا فإن أردت بقولك إن العصير قد كان حراما أنه كان حراما من حيث ذاته فقد كذبت لأن حكم ذات العصير من حيث كونه عصيرا غير معلوم و إنما ظن به المقلد من قول المجتهد و إن أردت به أنه كان حراما من حيث تعلّق ظن المجتهد الحي به و من جهة كون الاجتناب عنه من جزئيات اتباع ظن المجتهد الحي فمسلم معلوم متيقن في الزمان السابق لكن الموت يوجب تبدل موضوع هذا الحكم الظاهر إما بزوال أصل الظن كما هو الحق أو بزوال الحياة إلى موضوع آخر و من الواضح أن حكم شيء من الموضوعات لا ينسحب بسبب الاستصحاب إلى موضوع آخر و بعبارة أخرى إن أردت استصحاب الحكم الواقعي فلا يقين به في الزمن السابق و إن أردت استصحاب الحكم الظاهري الذي موضوعه ظن الحي إما بدعوى كونه قول المفتي يعني إخباره عن الواقع كالرواية التي هي موضوع الوجوب