مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٩٣
في انعقاد الإجماع على أصل التقليد لا حجية فيه مثل عدم حجية اتفاقهم على أصل التقليد و المفروض أن المستدل إحدى مقدمات دليله عدم ثبوت الإجماع على جواز التقليد و حينئذ فلنا قلب الإجماع المركب لأن الأخذ بقول الحي عند التساوي قضية الأصل الأولي المسلّم بين الكل فيتم في صورة الاختلاف في مقدار الظن بالإجماع المركب من قول المجمعين على أصل التقليد لأن مخالفة نادر ممن سبق إلى ذهنه الشبهة لا يقدح في ثبوت الإجماع عندنا معاشر المانعين فليتدبر جيدا و ثانيا أن إنكار الظن الخاص يمنع قيام الدليل على حجية قول المفتي في حق المقلد تعبدا مكابرة واضحة لأن جواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة من المذهب بل من الدين كسائر الأحكام الضرورية مثل وجوب الصلاة و الصوم يتحقق موجبها من مسيس الحاجة و توفر الدواعي و استقرار طريقة السلف المعاصرين للإمام عليه السلام و الخلف من العالم و الجاهل و الشريف و الوضيع إلى يومنا هذا عليه فإنكار نادر ممن اختل طريقته كالأخباريين ليس إلا كإنكار من منع عن ثبوت التكاليف الشرعية في حق الواصلين إلى درجة اليقين من حيث عدم القدح في انعقاد الإجماع و أما إنكار بعض فقهاء حلب فمع عدم منافاته لانعقاد الإجماع في هذا اليوم على طريقة المتأخرين من دورانه مدار الكشف فلعله لأجل بعض الشبهات السابق إلى أذهانهم ثم اعلم أنه إذا فرغنا من وجوب التقليد على العامي و اختلفنا في وجوب تقليد الحي و عدمه فوظيفة العامي أولا الرجوع إلى الحي حتى على القول بجواز تقليد الميت فلا يجوز له الرجوع إلى الميت ابتداء و قد أشار إلى ذلك صاحب المعالم و السر في ذلك هو أن العامي إذا علم أن تكليفه هو التقليد و لم يعلم أنه مكلف بتقليد الحي و يجوز له تقليد الميت وجب عليه بحكم العقل الأخذ بالقدر المتيقن المعلوم لأن العمل بالمشكوك فيه لا بد له من دليل و لا دليل للعامي عليه من إجماع أو ضرورة أو نحو ذلك من القطعيّات و هذا واضح و ثمرة البحث في جواز تقليد الميت إنما هي للمجتهد إذا سأله العامي عن حكم تقليد الميت و هذا الكلام في جميع الشروط الخلافية في المفتي و لو اختلفا في وجوب أصل التقليد و دار تكليف العامي بينه و بين العمل بالظن وجب عليه أولا النظر في أدلة التقليد لأن ذلك الدليل العقلي يتوقف على فقد طريق شرعي له إلى الأحكام فلا يجوز له العمل بذلك الدليل إلا بعد الفحص و اليأس عن قيام الدليل القطعي على حجية بعض الطرق كما لا يجوز العمل بأصل البراءة قبل الفحص عن المعارض و من الواضح أن المقلد ليس من أهل النظر في الأدلة فينحصر تكليفه في الاحتياط أو الرجوع إلى الأحياء في أخذ مدارك التقليد ثم النظر فيها فإن بقي له بعد ذلك شك أخذ بالظن في هذه المسألة الأصولية فهذا الدليل على فرض تماميته إنما يجدي للمجتهد في الفتوى بتقليد الموتى مع حصول الظن دون العامي القاصر و ثالثا أن غاية ما يلزم من تمامية هذا الدليل أن تكليف العامي هو العمل بالظن و لا ريب أن الظن الحاصل من فتوى المعظم بعدم جواز تقليد الميت و من الإجماعات و الشهرة و الأخبار و الآيات مانع بالنسبة إلى الظن الشخصي الحاصل له في خصوص المسألة الفرعية من قول الميت و قد اشتهر بين الأصوليين أنه إذا تعارض الظن المانع و الممنوع وجب الأخذ بظنه المانع مطلقا سواء كان أضعف من الظن الممنوع أم أقوى و على القول بوجوب الأخذ بأقوى الظنين منهما نقول إن الظن المانع هنا أعني الظن الحاصل من الإجماعات و مصير الجل أو الكل المتعلق بحرمة تقليد الموتى أبدا أقوى من الظن الحاصل من فتوى الحي فضلا عن الميت و بالجملة هذا الدليل على فرض تماميته يقتضي وجوب الأخذ بفتوى الحي لأن الظن الحاصل من قول الميت مظنون عدم اعتباره بملاحظة الإجماعات بالظن الأقوى و رابعا أن مفاد هذا الدليل أعني وجوب العمل بالظن على العامي سواء كان حاصلا من قول الحي أو الميت مما لم أجد قائلا به سوى الفاضل القمي رحمه الله و لذا ادعى غير واحد من المطلعين على قوله الإجماع المحقق على خلافه و لعل سره أن هذا القول منع لأصل التقليد رأسا مثل قول الأخباريين فإن العمل بقول الميت لأجل الظن الحاصل منه ليس تقليدا للميت تعبدا كما لا يخفى فهذا القول يمكن إبطاله باتفاق كل من أجاز التقليد من حيث كونه تقليدا ثم من أعجب العجائب أن صاحب الوافية استدل على جواز تقليد الميت بالعسر و الحرج المنفيّين فهما يندفعان به قائلا بأن العسر كما يندفع بتقليد الحي كذلك يندفع بتقليد الميت و جوابه من الواضحات يعرفه القروي و البدوي هذا فراغ كلامنا عن وجوب تقليد الحي و من شاء فليتخذ مع الحق سبيلا و ينبغي التنبيه على أمور الأول أنه لا فرق عندنا و عند المشهور في اشتراط حياة المجتهد بين التقليد الابتدائي و الاستمراري و لكن حدث لبعض مشايخنا في الأصول كصاحب الفصول و بعض من يقاربه في الزمان قول بالفصل بينهما فذهبوا إلى عدم الاشتراط في الثاني زاعمين أنه غير مندرج تحت إطلاق كلمات المانعين و لم نجد لهذا التفصيل مصرّحا من الأوائل و الأواسط غير أن شارح الوافية نسبه إلى ميل بعض المتأخرين ثم استقر به بل الظاهر من كلمات الأصحاب و معاقد الإجماعات عدم الفرق بينهما كما ستعرف حتى إن سوق كلام صاحب الوافية مما يشعر بحداثة ذلك التفصيل الذي مال إليه بعض المتأخرين حيث لم ينسبه إلى أحد من المتقدمين مع أن بناءه كان على استيفاء الأقوال كما يرشد إليه نقل قول الشيخ سليمان و العلامة الجرجاني و الشيخ علي بن هلال بجواز الأخذ من كتب المجتهدين بعد الأخذ بقول الحي أو قول من يحكي عنه و إن أردت أن يطمئن نفسك بصدق كلامنا هذا فعليك بالمراجعة إلى أدلة المثبتين و المانعين تجد بعضها مطلقا بالنسبة إلى الابتداء و الاستدامة و بعضها مصرحا بعدم الفرق بينهما قال السيد الجزائري فيما حكي عن بعض رسائله في مقام الاستدلال على الجواز مطلقا الخامس يعني من أدلة الجواز إذا أخذ المقلد مسألة من الفقيه الحي و كان مصاحبا لذلك الفقيه مطلعا على