مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٩١
قول الفقهاء في حق العوام و جواز اعتمادهم على أقوالهم و مطلق في الدلالة على الحجية في حال الحياة و الممات و مثل ما عن المحاسن في محكي البحار قال قال أبو جعفر عليه السلام فيقول العلماء فاتبعوا إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع فإن المستظهر من جميع هذه الأخبار هو أن فتوى الفقيه و قوله حكم ثانوي في حق غيرهم من العوام الغير البالغين حد الفقاهة فلا يتفاوت حينئذ بين حال الحياة و الممات و قد يستدل على ذلك بدعوى استفادة المناط القطعي من هذه الأخبار و بيانه أنه قد ثبت من هذه الأدلة حجية قول الحي في حق المقلد و هذا ليس إلا لأجل كون قوله خبرا عن الواقع و كاشفا عنه و لا يخفى أن صفة الحكاية غير زائلة عنه بمفارقة الحياة و الفرق بين هذا و بين الاستدلال الأول أن الاستدلال الأول مبني على اندراج تقليد الميت تحت إطلاق الأدلة و هذا مبني على اختصاصها بتقليد الحي مع اشتراك تقليد الميت له في المناط المستظهر من عمومها و ظاهر الوافية أو صريحها هو الأول و الثاني مما ذكره بعض الأصوليين و قد يستدل أيضا بما دل على أن حلال محمد صلى اللَّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة بعد ملاحظة هذه الأخبار و غيرها مما دل على أن قول الفقيه حكم ثانوي في حق المقلد إذ لا فرق في تأييد الأحكام و عدم تغيّرها بتغيير الأحوال و الأزمان بين الحكم الأولي و الثانوي و قد استدل أيضا زيادة على الأخبار المزبورة بخصوص ما ورد في كتاب يونس بن عبد الرحمن المسمى بيوم و ليلة بعد موته من قول أبي الحسن عليه السلام بعد أن عرضه أبو جعفر الجعفري عليه و نظر فيه و تصفّحه كله هذا ديني و دين آبائي و هو الحق كله و قول أبي جعفر عليه السلام بعد التصفح من أوله إلى آخره رحم اللّه يونس فإن الأول نصّ في جواز العمل بكتابه و هو ميت و الثاني ظاهر في التقرير على العمل به و هذه الأخبار معظم ما يتمسك بإطلاقها على جواز تقليد الميت و بقية الوجوه لشدة ضعفها ليس مما يصلح لتوهّم الخروج عن أصالة حرمة التقليد بسببها قوة الوجه العقلي الذي ستسمع و الإنصاف أنها غير ناهضة في إثبات المدعى إذ قد عرفت في الجواب عن الآيات أن المقصود المتعارف من الأمر بالرجوع إلى الرواة و المحدثين و العلماء و الموثقين ليس إلا بلوغ الحق إلى الجاهل و علمه بما كان في جهل منه و أما إنشاء حكم ثانوي تعبدي و هو العمل بقولهم من دون حصول العلم و الاعتقاد فهو بمراحل عن ذلك فلا دلالة لها على شرعية أصل التقليد فضلا عن تقليد الميت و لذا قال صاحب المعالم أن المعتمد من أدلة التقليد إنما هو الإجماع و الضرورة و هما قاصران عن الدلالة على جواز تقليد الميت و قد حققنا هذا المعنى في مسألة أخبار الآحاد و مما يؤكد ما قلنا من كون المقصود منها تعليم الجهّال بالأح كام الشرعية زيادة على ما هو الغالب المتعارف في أمثال هذه الخطابات اشتمال بعض الروايات الخاصة مثل ما ورد في حق يونس و زكريا بن آدم على لفظ الثقة و الأمانة فإن اعتبار وصف الوثاقة و الأمانة في المسئول عنه و المأخوذ منه كما يقتضيه سوق الرواية و لو بملاحظة سؤال عبد العزيز الراوي عن كون يونس ثقة ليؤخذ عنه معالم الدين لا عن أصل جواز الأخذ مما يشعر أو يدل على أن المقصود من الرجوع إلى الرواة و الموثقين هو الوصول إلى الواقع لا تحصيل موضوع حكم ثانوي تعبدي أعني قول المفتي من حيث نفسه و كذا يؤكد مورد رواية الإحتجاج المصرحة بجواز تقليد الفقهاء التي هي أوضح الأخبار و أصرحها دلالة بما هو من أصول الدين أعني أمر النبوة مع اتفاق الأصحاب على عدم جواز التقليد فيها و مع التنزل عن جميع ذلك نجيب عن الأخبار الخاصة بأن أمر الإمام عليه السلام بالأخذ من زرارة و أبان و إسحاق و يونس و زكريا و عميري و نحوهم ممن أدركوا شرافة حضوره عليه السلام و أخذوا معالم الدين عنه بالسماع و الشفاهة لا يدل على جواز الأخذ بقول كل من يفتي باجتهاده تعبدا لأنهم كانوا وسائط بين الإمام و بين سائر الخلق مثل وسائط عصرنا بين المجتهدين و المقلدين من العدول و الموثقين و الأخذ من الواسطة ليس من التقليد له في شيء نعم ربما يفتي الواسطة باجتهاده مثل قول الشيخ أبي القاسم بن روح الجليل حين سأله عن كتب الشلمغاني أقول فيها ما قاله العسكري عليه السلام في كتب ابن فضال حيث قالوا ما نصنع بكتبهم و بيوتنا منها ملاء فقال خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا لكن اجتهاد مثل هذه الأشخاص مستند إلى السماع عن الإمام عليه السلام عموما أو خصوصا قطعا فالعمل باجتهادهم و رواياتهم في مرتبة واحدة يجب على المقلد و المجتهد على حدّ سواء فلا يقاس بهم غيرهم من المفتين الذين يفتون بغير سماع عن المعصوم و من هنا يظهر أن ما ورد في حق عميري مثلا من أن قوله قولي و كتابه كتابي و أمثال ذلك في حق أمثاله لا يفيد حجية الفتوى من كل من يفتي باجتهاده كما يظهر أن أمر أبان بالإفتاء بين الناس لا يقتضي جواز تقليد غير الوسائط و من هذا الباب ما قيل في حق علي بن بابويه من أن الأصحاب كانوا يعملون بفتاويه عند إعواز النصوص و مع تسليم جميع ما ذكر منه لا دلالة فيها على جواز تقليد الميت ابتداء كما لا يخفى و أما الأخبار العامة فيرد على أخبار الحكومة بعد تسليم دلالتها على حجية الفتوى أنها بالدلالة على عكس المقصود أعني عدم جواز تقليد الميت أولى لأن الحكومة لما كانت من المناصب الزائلة بالموت فتشاركها الفتوى في المنصبية و الارتفاع بما يوجب ارتفاعها و على ما في التوقيع من قوله و الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى آخره أن الاستدلال به موقوف على كون المراد بالحوادث الواقعة مواضع التقليد من المسائل العملية و هذا غير معلوم لأن اللام في الحوادث لام عهد إشارة إلى الحوادث التي سأل عن حكمها إسحاق و سؤاله ليس بيدنا حتى ننظر في المراد بها و من هنا ينقدح امتناع حمل اللام على الاستغراق الموقوف عليه تمامية الاستدلال لأن عمومية الجواب و خصوصيته تابعان لعموم السؤال و خصوصيته فإذا جهلنا عبارة السؤال و لم نعلم أن المراد به ما ذا من العموم أو الخصوص من بعض الحوادث امتنع حمل الجواب على شيء منهما بل قد يتقوى كون