مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٨٧
يكون كذلك لو كنا متيقنين بأن هذا الماء كان نجسا و مع احتمال كون النجس هو المتغير دون الماء فإنه لا يحصل يقين بذلك فلو لم يحكم بالنجاسة حينئذ لم يكن فيه نقض يقين بالشك نعم إذا حصّلنا موضوع الحكم من دليله ثم شككنا في بقائه و ارتفاعه باعتبار الشك في مقدار استعداد علة ذلك الحكم تم الاستصحاب و ذلك مثل إن كان دليل نجاسة الماء نحو قوله ينجس الماء إذا تغير لا نحو قوله الماء المتغير نجس فإن الماء نفسه جعل في هذه القضية موضوعا للنجاسة و احتمال كون التغير علة محدثة و مبقية حتى يرتفع الحكم بارتفاعه يدفع باستصحاب نجاسة الماء فإن قلت هل يبقى عندك شيء من موارد الشك من حيث المقتضي تقول بجريان الاستصحاب فيه أم لا قلنا على كلامنا هذا لا يبقى من موارده أصل إلا ما عرفت مما يكون الشك مسبّبا من الشك في كيفية علية العلة و مقدار استعداده بعد إحراز موضوع الحكم من الدليل و مثل ما إذا كان سبب الشك احتمال مدخلية خصوصية الزمان مثل إن أمر المولى بالقعود في المسجد مثلا و لا يدرى أن المطلوب منه مقدار ساعة أو ساعتين فإن الظاهر جريان الاستصحاب فيه أيضا بناء على أن الزمان شيء لا يعتبر قيدا لموضوع الحكم و إن كان نظر الدقيق يجعله مثل سائر مقامات الشك من حيث الاقتضاء و تحقيق كل ذلك مطلوب في محله نعم هنا كلام آخر قد ذكرنا هناك و هو أن القائل بجريان الاستصحاب في أمثال المقام المبهم فيها موضوع المستصحب في نظر الدقيق له أن يقول إن العبرة في بقاء الموضوع و انتفائه إنما هو بالصدق العرفي و أهل العرف يتسامحون في الحكم بالبقاء و الانتفاء حتى إنهم يشيرون إلى الكلب المستحيل و يقولون إنه كان نجسا و الأصل بقاء النجاسة مع أن المشار إليه في الحالة اللاحقة إنما هو الجماد الذي لا يطلق عليه الكلب الذي هو موضوع للنجاسة في الأولة و هكذا يشيرون إلى ميّت الإنسان و يقولون إنه كان يجو ز لزوجته النظر إلى عورته في حال الحياة و الأصل بقاؤه مع أن الحلية كانت ثابتة للنظر إلى عورة الزوج الذي لا ريب في كونه إنسانا لا جمادا إلاّ أن المعتمد عندنا كما قلنا في محله عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام و بالجملة متى حصّلنا موضوع المستصحب من دليله و علمنا تغيّره أو انتفاءه في الحالة الثانية أو لم نحصّل الموضوع و كنا في اشتباه في ذلك كما إذا كان دليل الحكم لبيّا كالإجماع و نحوه امتنع عندنا جريان الاستصحاب و أما ما تخيله التوني من أن عدم العلم بتغير الموضوع يكفي في جريان الاستصحاب فلا يعتبر إحراز البقاء فبعيد من التحصيل في الغاية لأن وجود الموضوع مما لا بد منه في وجود المحمول حدوثا و بقاء إذ لا يتعقل الحكم بقيام زيد مثلا مع عدم وجود زيد في الخارج فلا بد أولا من إحراز وجوده ثم الحكم ببقاء الحكم أي المحمول فيه للاستصحاب فإن قيل إن وجود الموضوع نثبته بالاستصحاب أيضا فلا يقدح في استصحاب حكمه الشك في بقائه قلنا استصحاب الموضوعات الخارجية لا يرجع إلى محصّل إلا الحكم بترتب أحكامها عليها شرعا و جواز استصحاب الحكم ليس من أحكام الموضوع حتى يترتب عليه بل إنما هو من أحكامها العقلية لأن اشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب أمر جاء من قبل حكم العقل بامتناع وجود المحمول لا في موضوع فليس حكما من أحكام موضوع الحكم حتى يترتب على وجوده بالاستصحاب سلمنا كونه مما يترتب عليه بعد استصحابه باعتبار كونه حكما شرعيّا له لكن نقول إذا كان موضوع الحكم مما يجري فيه الاستصحاب كان الحكم مترتبا عليه من دون حاجة إلى استصحاب آخر يجري في نفس الحكم بل لا يبقى مع استصحاب الموضوع محلا لجريان الاستصحاب في نفس الحكم فإجراء الاستصحاب في الحكم و الموضوع مما لا يجتمعان في محل واحد فإن قلت إذا كان الأمر كذلك فنحن نقول إن جواز التقليد ثابت إما لقول المجتهد أو لظنه مطلقا أو لظنه ما دام حيا و لا ندري زوال ذلك الموضوع بعد الموت لاحتمال كونه أحد الأولين فيستصحب ذلك إذ الأصل بقاء ما قد ثبت له جواز التقليد و باستصحابه يثبت جواز التقليد في حال الموت لكونه حكما من أحكامه شرعا قلنا كون الأصل بقاء موضوع الحكم لا يثبت كون الباقي من الأمور المحتمل كونها موضوعا هو الموضوع إلا على الأصل المثبت الذي لا نقول به و الذي يفيد في المقام هو الحكم بموضوعية ذلك القول الذي هو الباقي بعد الموت و أما بقاء الموضوع في العالم من غير إثبات كون الباقي أعني القول موضوعا فلا فائدة فيه جدّا إذ إثبات كون القول هو الموضوع مثلا بذلك الاستصحاب أعني استصحاب الموضوع أخذ بالأصل المثبت فتدبر في المقام و راجع ما حرر في الاستصحاب في نفي الأصول المثبتة و منها الآيات التي استدل بها على مشروعية التقليد غير واحد من الأصحاب فإنها تدل بإطلاقها على حجية قول الميت للمقلد نحو قول الحي الأولى آية النفر المذكورة في سورة براءة و لو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون دلت على وجوب الحذر عقيب الإنذار الواجب المراد به الفتوى خاصة أو الأعم منها و من الرواية من وجهين أحدهما أن كلمة لعل بعد انسلاخها عن الترجي تفيد مطلوبية مدخولها و محبوبيته و هو الحذر عقيب الإنذار في المقام و إذا ثبت رجحان الحذر و حسنه ثبت وجوبه إذ مع قيام المقتضي يجب و مع عدمه لا يحسن على وجه الاستحباب أيضا بل لا يكاد يتحقق موضوع الحذر مع انتفاء ما يكون سببا للخوف و الوجل مع أن ثبوت رجحان الحذر يكفي في إثبات وجوبه بالإجماع المركب فإن من قال بجوازه قال بوجوبه و ثانيهما أن وقوع الإنذار غاية للنفر الواجب بدلالة كلمة لو لا يقتضي وجوبه و عدم رضاء الآمر بانتفائها كما هو الشأن في جميع الغايات المترتبة على فعل الواجبات سواء كانت من الأفعال أم لا كما في قولك تب لعلّك تفلح و قوله تعالى و قولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى و قوله تعالى و أقيموا الصّلاة و آتوا الزّكاة و أطيعوا الرّسول لعلّكم تفلحون