مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٨١
التتبع و شهادة جملة من الفحول فإن جريان عادتهم سيّما العلامة على ذكر المخالفين في المسائل مع عدم ذكر مخالف واحد معا في المسألة مما يعطي الجزم باتفاق كلمتهم في ذلك و دعوى صراحة الذكرى في خلاف بعض الأصحاب يدفعها ما عن رسالة الشهيد الثاني من أن العلماء يعم العامة و الخاصة و بعض الأعم أعم من بعض الأخص مع أن خلافا نادرا من أصحابنا غير قادح فيما ادعينا من الإجماع على طريقة المتأخرين و منه يظهر ضعف توهم الخلاف من كلام من جعل الحكم أي المنع الأقرب كالعلامة في محكي التهذيب أو نسبه إلى الأكثر لأن المسألة إذا كانت من الخلافيات بين العامة و الخاصة و نحو هذه الكلمات مما لا صراحة بل لا ظهور لها في تحقق الخلاف بين الخاصة و قد نسب الشهيد الثاني قول المشهور إلى الأكثر في المنية و المقاصد و مع ذلك فقد اعترف بعدم الخلاف من الخاصة في الرسالة و المسالك و آداب المعلم و المتعلم و هذا مما يؤكد كون هذه الكلمات إشارة إلى خلاف العامة و أما الخلاف الذي نقلوه من العلامة و قد سمعته فلعله على فرض ثبوته مع أنه مما أنكره في الدين الشيخ السعيد و المحقق الثاني فيما حكي عنهما يحمله على الاستعانة بكتب أموات من المتقدمين عند فقد المجتهد الحي مما لا يضرنا لأن كلامنا الآن في قبال من أجاز العمل بقول الموتى مع وجود الحيّ و أمّا المتأخرون فلم ينقل منهم الخلاف أيضا سوى من عرفته من الأخباريين و بعض المجتهدين و خلاف الأخباريين و من يقرب منهم في المشرب أعني إنكار طريقة الاجتهاد و التقليد غير قادح في اتفاق المجتهدين نظرا إلى اختلال طريقتهم و عدم قولهم بالاجتهاد و التقليد رأسا و اقتصارهم في استنباط الأحكام على الأخذ من كتب المحدثين أحياء كانوا أو أمواتا و عدهم الفتوى للعوام نقلا لمضمون الأخبار و من هنا اعتبر التوني في التقليد كون المجتهد ممن لا يعمل إلا بمداليل الأخبار الواضحة دون الالتزاميات الغير البينة التي يعمل بها المجتهدون و يفتون على حسب مقتضاها و سوى بين الحياة و الممات كما هو الشأن في العمل بالأحاديث فإن نظره إلى تسويغ العمل بفتوى تكون نقلا لمضمون الأخبار حتى يكون العمل بها عملا بالخبر لا إلى عدم اشتراط حياة المفتي على فرض جواز العمل بالفتوى مثل ما يقول المجتهدون و كذا لا يقدح في الاتفاق المزبور خلاف الأردبيلي لما ظهر وجهه في خلاف العلامة رحمه الله فبقي من المخالفين المجتهد الفاضل القمي رحمه الله و هو باعتبار فساد مستنده و عدم مشاركة غيره له في ذلك و إن شاركه في أصل الحكم في الجملة مما لا يقدح خلافه و ليس هذا الكلام إلا في الرد عليه و بالجملة هذا الاتفاق مما ادّعاه غير واحد من الأتقياء الفحول و أعاظم أهل الأصول بعد أن بلغوا في الفحص و التتبع ما هو المأمول فهو إما حجة واضحة في المسألة أو يدفع مانعية ما يتوهم مانعيته عن العمل بالأصل من الإطلاقات و على التقديرين ففيه الحجة و منها الأصل و تقريره تارة بأن حجية قول الغير حكم يحتاج إلى دليل معتبر و المقدار الثابت منها إنما هو حجية قول الحي لكونه متفقا عليه بين الفريقين و أما قول الميت فالأصل عدم حجيته لا يقال لا نسلّم تسالم الفريقين على حجية قول الحي لأن القائلين بجواز تقليد الميت منهم من يرى وجوب اتباع الظن الأقوى فقد يكون حاصلا من قول الميت و منهم من يوجب تقليد الأعلم فإذا فرض كون الميت أعلم لم يجز تقليد الحي عنده فتقليد الحي و الميت متساويان في الاحتياج إلى الدليل و عدم الإجماع و إجراء الأصل في أحدهما معارض بإجرائه في الآخر لأنا نقول نفرض الكلام فيما إذا تساوى الحي و الميت من جميع الجهات فيتم الدليل فيه و في صورة رجحان الميت في العلم أو في إفادة قوله الظن يتم المدعى بعدم القول بالفصل لأن كل من يرى وجوب تقليد الميت الأعلم أو الذي يفيد قوله الظن الأقوى عينا قال بوجوبه تخييرا في صورة المساواة و التفصيل بين الصورتين قول لا يقول به أحد من الفريقين و ربما أجيب عن هذا الإيراد بمنع وجوب تقليد الأعلم عند هؤلاء القائلين بجواز تقليد الميت فإن صريح بعضهم عدم الوجوب و أما وجوب متابعة الظن الأقوى فالقائل به إنما هو بعض معاصري المجيب أعني الفاضل القمي ليس إلا فلا يقدح اختيار هذا المذهب في دعوى الإجماع على خروج قول الحي مطلقا حتى في صورة كون الظن الحاصل من قول الميت أقوى من تحت الأصل و ما ذكرنا في الجواب أحسن لأنا لو بنينا على عدم قدح مخالفة هذا القائل في الإجماع على حجية قول الحي مطلقا لم يبعد دعوى الإجماع المحقق على بطلانه فإن الظاهر أنه لم يقل غيره بوجوب اتباع الظن الأقوى و تعين العمل بقول الميت إذا كان الأقوى منه في نظر المقلد فيخرج الكلام عن كونه استدلالا بالأصل فليتدبر و أخرى بأن التقليد عمل بما وراء العلم و هو منفي بالآثار و الاعتبار خرج قول الحي بالإجماع و بقي الباقي تحت الأصل و أجاب عنه صاحب الوافية بمنع كون العمل بما وراء العلم منهيا إلا في أصول العقائد و هو عجيب و ليس من مشاكلته و طريقة الأخبارية عجيبا لأن العقل القاطع عندهم ليس بحجة و ثالثة بأن التقليد طريق جعلي للمكلف بحيث لو لا دليل دل على اعتباره لما جاز الأخذ به كما عرفت و لا ريب أنه إذا دار الأمر بين التخيير و التعيين في الطريق و لا يدرى أنه يجب الأخذ بهذا عينا أو مخيرا بينها و بين غيره وجب الأخذ بما يحتمل وجوب الأخذ به عينا بحكم الاحتياط القاضي به العقل لأنه لا ينافي احتمال كونه أحد فردي الواجب التخييري لا يقال هذا الأصل إنما يتم على مذهب من يبني على الاحتياط فيما إذا دار الأمر بين التخيير و التعيين و أما على مذهب من يبني على البراءة فلا يتم ذلك الأصل لأنا نقول فرق بين الطريق و غيره فإنّ الأصل الأولي في الطرق الغير العملية هي الحرمة إلا ما خرج بالدليل و في غيره هي البراءة فمتى حصل الشك في حكم شيء من الطرق