مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٧٥
الجنس كآية السؤال فإن المأمور به فيها هو وجوب السؤال عن جنس العالم كما هو ظاهر على من لاحظها و نظيره قوله و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا و صنف منها ما يدل على وجوب الأخذ بكل عالم على وجه العموم كآية النفر فإنها على ما هو المقرر في توجيه الاستدلال بها تدل على وجوب الأخذ بقول المنذرين و نظيره قوله من عرف أحكامنا و قوله و أما من كان من العلماء صائنا لدينه فللعوام أن يقلّدوه و صنف منها ما يدل على وجوب الأخذ بقول كل عالم على أي وجه اتفق على وجه العموم البدلي مثل قوله اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبّنا فإنّ مفاده وجوب الرجوع إلى العلماء على وجه يستفاد منه التخيير مثل الرواية المنقولة عند الجمهور أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم لا ريب في أن الاستناد إلى الصنفين الأولين مما لا يجدي في المقام فإن المستفاد منها مشروعية جواز الرجوع إلى العلماء في أصل الشريعة و لا كلام لنا فيه إذ لا إشكال في أن قول غير الأعلم حجة و أنه يجب الأخذ به في حد ذاته عند عدم معارضته بقول الأعلم و إنما الكلام في أن من الجائز الأخذ به عند معارضته بقول الأعلم أو لا و لا إشكال في أن هذه الواقعة خارجة عن مفاد الدليل المذكور فلا بد لها من دليل يوافقها و أمّا الصنف الثالث فيمكن أن يكون دليلا للخصم لما عرفت من أنه يستفاد منه التخيير فيمكن الاستناد إليه عند الشك في رجحان قول الأعلم على غيره إلا أن الإنصاف أن ذلك لا يجدي أيضا و الوجه فيه أن مجرد إمكان الاستفادة لا يجدي في التمسك بالإطلاق بل لا بد و أن يكون المطلق في مقام بيان الحكم المذكور و الظاهر أن هذه الأقسام كلها مسوقة لبيان جواز نفس التقليد من دون ملاحظة أمر آخر كقولك فارجع إلى الأطباء أو إلى الطبيب أو إلى كل من يعالج مثلا فإن المفهوم منها بيان أصل المرجع و أما الواقعة المترتبة على هذه الواقعة من وقوع التعارض بين أقوال الأطباء فلا يستفاد منها و لذلك لا يعدّ بيان المرجع عند التعارض قبيحا كما هو كذلك في المقبولة فإنه بعد الأمر بالرجوع إلى العارف بالأحكام يتصدى لبيان المرجع عند التعارض و لذلك حسن استفسار السّائل أيضا نعم يصح التعويل على هذه الإطلاقات عند عدم العلم بالاختلاف و التعارض و لا بأس به و أما الأخبار الخاصة فالاستناد إليها يتوقف على دعوى العلم بوجود الاختلاف بين هؤلاء المفتين في العلم و الفضيلة و العلم باطلاع الناس على اختلافهم فيه و العلم باختلافهم في الفروع الفقهية و الإنصاف أن إثبات ذلك فيمن أمر الإمام عليه السلام بالاستفتاء منهم في غاية الصّعوبة بل لا يكون ذلك إلاّ تعرصا على الغيب و أما السيرة فالمسلّم منها أنهم مع عدم علمهم بالاختلاف في الفتاوي كانوا يرجعون بعضهم إلى بعض و أما مع العلم بالاختلاف إجمالا فلا نسلم عدم فحصهم عن الفاضل و عدم رجوعهم إليه فكيف بما إذا علموا بالفضيلة و الاختلاف تفصيلا بل يمكن دعوى ندرة الاختلاف بين أصحاب الأئمة أيضا و لا ننكر أصل الاجتهاد في حقهم بل نقول بالفرق بيننا و بينهم من وجود أسباب الاختلاف في حقنا دونهم فإن حالهم كما مر مرارا حال المقلدين في أمثال زماننا حيث إنهم لا يختلفون في الفتاوي المنقولة عن مجتهدهم فإنه كلما يزداد بعد عهدنا عن مشكاة الإمامة و مصباح الولاية يزداد الحيرة و الاختلاف فينا و لذلك قال النبي صلى اللَّه عليه و آله أصحابي كالنجوم فإن فيه دلالة على خلاف مراد المتمسّكين به أما أولا فلأن لفظ الاهتداء يخالف اختلاف الهادين فلا بد من أن يكون الكل متفقا في الكلمة و أما ثانيا فلأن التشبيه بالنجوم يفيد ذلك فإنها طرق قطعية يتوصل بكل واحد منها إلى المقصود على اختلاف أوضاع الم قاصد و هيئات الكواكب و كيف كان فالإنصاف أن دعوى استقرار السيرة على جواز الرجوع إلى غير الأعلم عند العلم بالاختلاف و إمكان الرجوع إلى الأعلم على وجه يكون شائعا معلوما للأئمة بالعلم المعتاد المعتبر في حجية السيرة غير بينة و لم يقم دليل عليها أيضا فعهدتها على مدعيها و أما لزوم الحرج فإن أريد لزومه في تشخيص موضوعه ففيه أن تشخيص الأعلم ليس ما خفي من تشخيص نفس الاجتهاد فيما هو الموصول فيه أيضا و إن أريد لزومه من حيث الانحصار ففيه أن الواجب حينئذ الرجوع إلى الأعلم فيمن لا يلزم منه العسر و لا يمكن إلحاق الغير بالإجماع لما عرفت مرارا من أن التفصيل بواسطة لزوم العسر ليس تفصيلا في الحقيقة لحكومة الأدلة الدالة على نفسه على جميع الأدلة في الأحكام الواقعية و إن أريد أن فتوى الأعلم فيها عسر ففيه أن فتوى غيره أيضا قد يكون فيه العسر و بالجملة فلا وجه للاعتماد على هذه الوجوه كما هو ظاهر و أمّا الخامس فهو من غرائب الاستدلال في المقام إذ المقصود على ما عرفت عند العلم بالاختلاف و العلم بمخالفة الإمام مع غيره يوجب العلم ببطلان الغير و مع ذلك لا يجوز التقليد مضافا إلى أن قياس الإمام بغيره مما يشمئزّ منه أصحاب الإنصاف كما هو ظاهر و أمّا السّادس فهو مبني على مقدمات لم يساعد عليها بداهته و لا برهان بل قامت الضرورة الدينية على خلافه كما أومأنا إلى ذلك مفصّلا و لو سلم فالواجب هو الأخذ بالأعلم أيضا لما ستعرف في أدلة المانعين و قد يستدل أيضا بأن إهمال الغير الأعلم عند معارضته بالأعلم يوجب الحكم بمساواته بغير العالم أصلا و قد قال تبارك و تعالى هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون و فيه أن مساواة الأعلم و غيره أيضا يوجب الحكم بمساواة العالم و غيره مع أن التمسك بالآية في أمثال المقام مما لا وجه له أصلا كما لا يخفى إذ نفي المساواة من جميع الجهات مما لا سبيل إليه و لا ظاهر في البين يجدي في المقام فيكفى في نفي المساواة الاختلاف في بعض الجهات و لم يثبت كون المقام منها فتدبر هداية في ذكر احتجاج المانعين و هو بعد الأصل كما عرفت تقريره وجوه الأول الإجماعات المنقولة صريحا في كلام المحقق الثاني كما حكاه الأردبيلي عن بعضهم أيضا و ظاهرا في