مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٧١
ليس عملهم من التقليد في شيء و ذلك هو الغالب في الموجودين في تلك الأزمنة و إن كان بلدهم بعيدا عن بلاد الأئمة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة أحوالهم و مقايستها بأحوال المقلدين النائين عن بلد المجتهد في الفتاوي المنقولة إليهم و أما القسم الثالث فهم المقلدون و لا ريب في قلة هذا القسم بالنسبة إليهم بل و في نفسه أيضا تيسير الاجتهاد في تلك الأزمنة و عدم احتياجه إلى ما يحتاج إليه في أمثال زماننا فإن أريد استقرار سيرة القسمين الأولين على عدم الرجوع فمسلم ذلك و لكن لا يرتبط بالمقام إذ لا إشكال في أن موت الإمام لا يوجب بطلان قوله كموت الراوي مثل موت الناقل بفتوى المجتهد في زماننا و إن أريد استقرار سيرة القسم الثالث فلا نسلم ذلك فإن الإنصاف أن دون إثبات استقرار سيرة المقلدين بالمعنى المصطلح عليه على البقاء خرط القتاد بل و لا يبعد دعوى السيرة على خلافه كما يشاهد في أمثال زماننا فإن بعد موت المرجع نرى اضطراب المتشرعين من أهل تقليده كما هو ظاهر و بالجملة فلا يقاس حال الموجودين في حال الأزمنة و ما يضاهيها من زمن الغيبة بحال أصحاب الأئمة عليهم السلام لما عرفت من افتراقهم الفرق الثلاث بخلافهم فإن الغالب فيهم التقليد كما ذكرنا نعم يصح مقايسة حالهم بحالهم في الفتوى المنقولة إليهم مع عدم سماعهم من المجتهد بواسطة الثقات و العدول الرابع أن الأمر بالرجوع عن الفتاوي المقلد فيها يشمل على عسر أكيد و حرج شديد و هما منفيان في الشريعة السمحة السهلة و الجواب عن ذلك أنه إن أريد لزوم العسر و الحرج في تعليم المسائل التي أفتى فيها الحي ففيه أنه لا عسر فيه إذ لو كان كذلك لكان ساقطا عن البالغ في أول بلوغه على أن المخالفة ليست في جميع المسائل بل و لا في الغالب فإنها قليلة جدا و ذلك يحصل بمطابقة الرسالة في أيّام معدودة و نحوها مما لا يعدّ عسرا إلا ممن جبلت طبيعته على الاعتذار في انتهاضه على الأحكام الشرعية و القيام بوظائف الشريعة و إن أريد لزوم العسر في انتقاض الآثار المترتبة على الأعمال الواقعة بمقتضى التقليد الأول عند المخالفة فذلك لو سلم لزوم العسر فيه فنلتزم بعدم النقض في الآثار السابقة و أما الأعمال اللاحقة فلا بد من أن يكون على مقتضى التقليد اللاحق مثلا لو فرض أن الميت كان يقول بطهارة الغسالة و المقلد أيضا إنما بنى على طهارتها في جملة من الأعوام و السنين ثم بعد ذلك رجع إلى تقليد الحي القائل بنجاستها فإنه ي قع في العسر فيما لو أراد إعمال هذه الفتوى بالنسبة إلى ما بنى على طهارته بمقتضى الفتوى الأولى و لكنه لا عسر في لزوم الاجتناب عن الغسالة بعد ذلك و أين ذلك من لزوم البناء على التقليد السابق على وجه الإطلاق و قد فرغنا عن إبطال هذه الكلمات فيما قدمنا في مسألة الإجزاء ثم اعلم أن القول بوجوب البقاء أردأ من القول بجواز البقاء فإن الوجه في عدم جواز العدول إما الإجماع و إما قاعدة الاحتياط فإنه هو القدر المعلوم و إما استصحاب وجوب الأخذ بالعمل السابق أو استصحاب وجوب نفس العمل أو غيره من تقادير الاستصحاب أمّا الأخير فقد عرفت ما فيه من وجوه المناقشة و أما الثاني فقد عرفت أيضا أن الاحتياط لا يقضي بالأخذ بقول الميت فإن المسألة من موارد التخيير بناء على حرمة العدول و قضية الاحتياط هو الرجوع على تقدير جوازه و من هنا ينقدح لك أن الإطلاقات المتقدمة على تقدير صلوحها و شمولها للأخذ بقول الميت على وجه الاستدامة لا تصلح دليلا في المقام لأن المفروض شمول تلك الأدلة لقول الحيّ أيضا فقضية المعارضة هو الرجوع إلى وجوه التراجيح المعمولة بين المتعارضين و هي مع الرجوع لما عرفت من ذهاب المشهور إليه و بالجملة ففي مقام التعارض لا وجه للأخذ بالإطلاق فإن صورة المعارضة غير مشمولة للإطلاق كما ستعرف تفصيل ذلك بعيد المقام و أمّا الإجماع فعدم تحققه في المقام ظاهر هداية إذا مات المجتهد و لم يكن في الأحياء من يجوز التعويل على قوله بواسطة عدم تدبره في العلوم الشرعية أو بواسطة فقدان شرط من شروطه فهل الحجة قول الميت أو لا حجة فيه أصلا وجهان بل قولان ذهب إلى الثاني المحقق الثاني و تبعه في الرياض على ما نقل و قد سبق في صدر الباب نسبة الأول إلى جماعة منهم المقدس الأردبيلي و يمكن ابتناء الخلاف في ذلك على أن الحياة من الشروط المطلقة التي لو فرض انتفاؤها يسقط معه وجوب المشروط أو من الشروط عند الاختيار فعلى الأوّل لا يجوز أصلا بل ينقلب التكليف إلى أمر آخر و لا ينافي ذلك أن يكون مقتضى الدليل في الفرض المذكور هو الرجوع إلى فتاوي الموتى فإن ذلك بواسطة اندراجه تحت عنوان آخر كما هو ظاهر في الغاية و على الثاني فلا وجه لسقوط المشروط فإن الاشتراط إنما هو في حال الإمكان و عند التعذر فالشرط باق بحاله و على ذلك لا بد من ملاحظة التراجيح لو دار الأمر بينه و بين فقد سائر الشرائط كالإيمان و العدالة و لعل الترجيح مع الأخذ بقول الميت لوجود القائل ابتداء بخلاف قول الكافر و الفاسق و نحوهما و الأقرب هو الأول لإطلاق معاقد الإجماعات التي هي العمدة في دليل الاشتراط و على ذلك فيجب إنكار حجية قول الميت من هذه الجهة و المصير إلى الأمارات المفيدة للظن بعد العجز عن الاحتياط أو فرض الإجماع على عدم وجوبه و أقرب الأمارات هي الشهرة لو أمكن تحصيلها كما إذا كان المقلد من أهل تحصيلها ثم بعد ذلك بالمنقولة منها بواسطة شهادة العدلين أو العدل لو لم يكن العدلان ثم الأخذ بأوثق الأموات كالمحقق و الشهيد و أضرابهما من أساطين الفقه ثم الأخذ بمطلق الأموات ثم الأخذ بمطلق الظن و الوجه في ذلك هو جريان الدليل العقلي القاضي بالعمل بشيء يحتمله موضوع المكلف على حسب اختلاف مراتب تكليفه كما نبهنا على ذلك فيما تقدم إجمالا و قد سبق تحقيقه في مباحث الظن