مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٦١
استصحاب وجود الكر المطلق فيما إذا كان مما يترتب عليه حكم كما لو نذر أن يعطي فقيرا درهما لو كان الكر مثلا موجودا قلت نعم إلا أنه يمكن القول بأن الموضوع هو الظن لعدم ترتيب هذه الأحكام على غيره في الشريعة عند انتفائه و هو غير معلوم الوجود و على تقدير الوجود فلا عبرة به أيضا لاحتمال مدخلية الحياة فيه و أصالة عدم مدخلية الحياة في الموضوع لا يجدي لأن ذلك لا يشخص أن الموضوع هو الظن المطلق و بعبارة ظاهرة أن عدم جريان الاستصحاب موقوف على عدم العلم ببقاء الموضوع و احتمال ارتفاعه في الواقع و أصالة عدم المدخلية لو كان مفاده في الشرع وجود الموضوع كان مجديا و لكنه لا يترتب على عدم المدخلية وجود الموضوع إلا بواسطة مقدمة عقلية فتأمل في المقام فإن الأمر بمكان من الغموض و الخفاء و هذا تمام الكلام في الوجوه العقلية و لهم أيضا بعض الوجوه الأخر إلا أن الإنصاف أن التعرض لها يوجب التعطيل فيما هو الأهم و أمّا الكتاب فالذي يدل منه على مطلوبهم على ما زعموا آيات الأولى قوله تعالى و لو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون و التقريب أن الآية تدل على وجوب الحذر بعد الإنذار الواجب إما لأن الحذر لا يعقل جوازه بعد وجود المقتضي و عند عدمه لا يحسن و إما لأن وجوب الإنذار المفروض في الآية مقدمة للحذر يدل على وجوبه لأن وجوب المقدمة دليل على وجوب ذيها و إما لأن عدم وجوب الحذر على تقدير وجوب الإنذار يوجب اللغو نظير ما تمسك في المسالك من قوله تعالى و لا يحل لهن أن يكتمن على وجوب اتباع قولهن و الإنذار عبارة عن الإبلاغ مع التخويف و هو كما يصدق في الرواية فكذلك يصدق في الفتوى بل الظاهر أن دلالتها على وجوب قبول الفتوى أظهر من دلالتها على قبول الرواية لأن الحكاية بدون التخويف لا تسمى إنذارا و مع التخويف لا دليل على اعتباره لأن التخويف موقوف على اجتهاد المنذر في الحكاية و لا دليل على لزوم متابعة الراوي إذا لم يكن فهمه في حق المنذر بالفتح حجة بخلاف المفتي فإن اعتقاده حجة في حق المستفتي فلو قال أيها الناس اتقوا اللّه في شرب الخمر فإنه يترتب عليه المؤاخذة الإلهية فقد حصل التخويف و وجب التخوف و الحذر إما لوجود المقتضي و إما لوجوب الإنذار و إمّا للزوم اللغو و يتم فيما لا يحصل معه التخوف إما لعدم التخويف أو لغيره بعدم القول بالفصل و بالجملة فالآية ظاهرة في وجوب التفقه و وجوب الإنذار و هما يستتبعان وجوب الحذر و القبول على أحد الوجوه الشامل بإطلاقه للرواية و الفتوى كما عرفت و الإنذار كما يصدق في فتوى الحي فكذلك يصدق في فتوى الميت بواسطة التخوف الحاصل من مراجعة ما جعله علامة للتخويف كالرجوع إلى كتابه فإنه يصدق أنه أنذر و لو في زمان حياته و حصل للمقلد التخوف و لو بعد مماته فيجب اتباعه فالآية بإطلاقها تدل على وجوب اتباع فتوى الميت لصدق و الإنذار و إن أبيت عن ذلك فنقول لو فرضنا أن المجتهد قد أنذر في حال حياته و لم يتبعه المقلد عصيانا ثم بدا له بعد موته اتباعه فهل ترى عدم صدق الإنذار في مثله و ليس ذلك من التقليد الاستمراري بل هو تقليد بدوي إذ المفرو ض عدم الأخذ بالفتوى في حال الحياة و عدم العمل أيضا فإن قلت إن الآية ظاهرة في النفر إلى الجهاد كما يشهد به الآيات التي قبلها و بعدها فلا يدل على وجوب التفقه و الإنذار نعم ربما يترتب على النفر التفقه من ملاحظة آثار رحمة اللّه على أوليائه و ظهورهم على أعدائه و غير ذلك و لا دليل على وجوب ما يترتب على الفعل إذا لم يؤخذ الفعل الواجب مقدمة له بل كان الترتب اتفاقيا كما هو ظاهر قلت إن سوق الآية في آيات الجهاد لا ينافي ظهورها في وجوب التفقه و الإنذار الموقوف عليه الاستدلال مع ورود الأخبار الدالة على إرادة وجوب التفقه من الآية كما يستفاد من استدلال الإمام عليه السلام به كرواية الفضل عن الرضا عليه السلام قال إنما أمروا بالحج لعلة الوفادة إلى اللّه و طلب الزيادة إلى أن قال و نقل أخبار الأئمة إلى كل صقع و ناحية كما قال عز و جل و لو لا نفر الآية و لا يخفى أن اختصاص الأخبار بالذكر لا يدل على اختصاص الآية بالرواية دون الفتوى فلا ينافي ما هو مناط الاستدلال من دعوى الإطلاق و الاستدلال بالآية في بعض الروايات على وجوب تحصيل معرفة الإمام بعد موت الإمام السابق لا يدل على اختصاصه بمثله حتى لا يشمل ما نحن فيه و هو ظاهر جدا هذا غاية ما يمكن الانتصار للمستدل بالآية و مع ذلك فلا دلالة فيها على المطلوب و توضيح المقام بعد تمهيد و هو أن اعتبار التقليد يحتمل أن يكون من وجهين أحدهما اعتباره من حيث إنه طريق إلى الواقع و إن قول العالم هو المرجع للجاهل فإنه يكون طريقا لما هو المطلوب في الأمور الغير المعلومة مثل رجوع الجاهل بصناعة إلى أهل تلك الصّناعة في استعلام ما يتعلق به غرضه منها الثاني أن يكون معتبرا من حيث إنه حكم ظاهري تعبد به المولى و إن لم يحصل منه العلم و لا ينافي ذلك كون الحكمة في جعله طريقا هو كونه طريقا ظنيا في العرف و العادة فيكون من الظنون النوعية أي الأمارات التي لا تدور مدار حصول الظن الفعلي منها و إن كان الوجه في جعله إفادته ذلك في الأغلب و لا ريب أن هذين الوجهين مختلفان فالكلام المسوق لبيان أحدهما يغاير سوق الآخر فإن الأول غير محتاج إلى جعل و حكم سوى الإخبار عما هو ثابت في الواقع بخلاف الثاني فإنه لا بد فيه من إنشاء حكم ظاهري في موارد تلك الأمارة و لعل ذلك غير خفي على الفطن فإن أريد من التمسك بالآية إثبات الوجه الأول فهو حسن فإن في الآية دلالة على تقرير ما عليه العقلاء في استكشاف مطالبهم من الأمارة المفيدة لها إذ لا يستفاد من الآية إلا مطلوبية الحذر عقيب الإنذار في الجملة و أما وجوب البناء على الإنذار فهو مبني على ما هو المناط فيه عندهم من حصول المنذر فيه أو ما هو يقوم مقامه عندهم كالظن المتاخم بالعلم على وجه لا يعتنى باحتمال خلافه في وجه و لذا صح ذلك فيما يطلب فيه العلم فلا