مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٦٠
قول لا يجوز التعويل على القول السّابق و توضيحه أن الأحكام الاجتهادية إنّما هي أحكام ظاهريّة على ما صرّح به جميع أرباب الأصول و الظنّ في الأحكام الظّاهرية إنما يكون موضوعا لما يترتب على المظنون و البقاء فإنه هو المقصود بحجية الظن في الأمور الشرعيّة و الأحكام الفرعيّة فإنه يكون وسطا في القياسات الّتي يطلب فيها ترتيب آثار متعلقات تلك الظّنون الّتي قد كانت طرفا إليها في حدود أنفسها مثلا أن شرب الخمر المظنون حرمته بواسطة أمارة ظنية معتبرة إنّما يستفاد الحكم فيه في مقام العمل و الظاهر بواسطة الظن كأن يقال إن شرب الخمر مما يظن حرمته بواسطة أمارة كذائية و كل ما يظنّ حرمته فيجب ترتيب آثار الحرمة الواقعي ّة التي كان الظنّ طريقا إليه على ذلك المظنون فينتج وجوب ترتيب الآثار على هذه الحرمة المظنونة من لزوم الاجتناب عنها و غيرها من الأحكام و ذلك ظاهر في الغاية نعم يتم كون القول موضوعا في المقام فيما إذا قلنا بأن الفتوى هي عبارة عن نقل الحديث على وجه المعنى كما زعمه الأخباري و هو خلاف الواقع كما لا يخفى على المطلع و أما حديث بقاء الظنّ بعد الموت و ارتفاعه فالإنصاف كما عرفت أنه مسرح للعقل فيه لتعارض الأمارات من الطرفين إلا أن المقصود في المقام غير منوط به أيضا إذ على القول بالبقاء أيضا لا يعلم سريان الحكم فيما إذا كان مستندا إلى الظنّ بعد الموت إذ القول به موقوف على أن يكون الظنّ موضوعا على وجه الإطلاق سواء كان بعد الموت أو قبله و ذلك أيضا غير معلوم لأن دليل التقليد على ما هو التحقق منحصر في الإجماع و الضّرورة و السّيرة و لا ينفع شيء منها في تشخيص الموضوع و أمّا الإطلاقات الدّالة على التقليد كما ادّعاها بعضهم فلا دلالة فيها على التقليد أولا و على تقديره فلا يستفاد منها أن الموضوع هو الظنّ على وجه الإطلاق بل الظاهر من جملة من الأدلة الخاصة بل العامة الآمرة بالرّجوع إلى أهل العلم اعتبار الحياة كما ستعرف تفصيل القول في ذلك إن شاء اللّه فإن قلت إن منع الاستصحاب في المقام بواسطة الإشكال في أمر الموضوع إنّما لا ملائم كلماتهم في جملة من الموارد فإنّهم يحكمون باستصحاب جواز نظر الزّوج أو الزوجة لأحدهما بعد الموت مع أن الموضوع إنّما هو الحيوان الناطق و ليس موجودا بعد الموت قطعا فإنه جماد صرف و يحكمون باستصحاب الملكية فيما لو انقلب الخمر المقلوب من الخل خلا في المرتبة الثانية مع أن الخلية في الثانية ليست الخلية الأولى لامتناع إعادة المعدوم و كذا فيما لو فرض حياة المملوك بعد موته فإنه بسيطه الملكية السّابقة الفاقة بالرقبة الأولى مع ظهور الاختلاف و كذا يحكمون باستصحاب الكرية بعد القطع باختلاف الموضوع فإن المشار إليه في قولك إن هذا الماء كان كرا في السّابق قطعا يغاير الماء في السّابق فلا منع في جريان الاستصحاب في المقام كأن يقال إن ذلك الرجل كان قبل موته حائز التقليد و بعد الموت يستصحب و ليس الاختلاف الحاصل في المقام أشدّ من الاختلاف في الموارد المذكورة قلت بعد الغض عن جريان الاستصحاب في الموارد المذكورة أن ذلك يتم بناء على المسامحة العرفيّة في أمر الموضوع و لا نضايق نحن من جريان الاستصحاب في المقام على هذا التقدير إلا أن الكلام في ثبوت ذلك التقدير فإن الإنصاف أن التسري إلى جميع موارد التسامح في العرف مما لا يجترئ عليه سيّما في الموارد الّتي لا يساعدها المشهور أو أمارة أخرى من الأمارات و بالجملة فالاعتماد على الاستصحاب إنّما يشكل فيما إذا لم يكن القضية المعلومة متحدة مع المشكوكة بحسب الدقة فإن قلت إن ما ذكر إنما يتم فيما إذا لم يجر الاستصحاب في أصل الموضوع و لا مانع منه و بعد الاستصحاب الموضوعي لا مجال للشك أصلا قلت إن أريد من استصحاب الموضوع و جريانه تصحيح الاستصحاب الحكمي كما يظهر عن بعض الأجلة في بعض الموارد فهو كلام فاسد مختلّ النظام أما أولا فلأن استصحاب الموضوع لا يجدي في ترتب الأحكام الغير الشرعيّة و جريان الاستصحاب الحكمي ليس من الأحكام الشرعيّة المترتبة على الموضوع حتّى يصحّ الاستصحاب على تقدير استصحاب الموضوع و أما ثانيا فلأن الاستصحاب الموضوعي بعد جريانه لا حاجة إلى إجراء الاستصحاب الحكمي فإنّه بمنزلة المزيل على أنّه لا معنى لاستصحاب الموضوع إلا ترتيب الأحكام الّتي منها الحكم المشكوك و إن أريد من استصحاب الموضوع ترتب الحكم و هو جواز التقليد لا استصحابه فهو إنما يجدي فيما إذا لم يكن من الأصول المثبتة كما حرر في محله و ما نحن بصدده منه و توضيحه أن استصحاب موضوع وجوب التقليد أو جوازه من دون أن يقصد ارتباطه بفتوى الميت لا يجدي في الاعتماد على فتوى الميت و مع إرادة إثبات الارتباط بوجه من الوجوه إلى الفتوى فهو من الأصول المثبتة فإن استصحاب الموضوع المطلق لا يتغير في شيء خاص إلا بعد إعمال مقدمة عقلية أو عادية و ذلك نظير استصحاب وجود الكر المطلق في الحوض لإثبات كرية الماء المخصوص فإنه لا يجدي في ذلك إلا بعد العلم بأن ذلك المطلق غير متحقق إلا في الفرد الموجود و بالجملة الأحكام الثابتة للموضوع المطلق في الشّريعة لا بد من حملها و ترتيبها على الموضوع المستصحب و أما أحكام الموضوع الخاص فلا يترتب على استصحاب الموضوع المطلق فإن قلت إن جواز العمل و ترتيب الأحكام السّابقة إنّما هو من أحكام مطلق الموضوع إذ لا يراد في المقام إثبات أن القول هو الموضوع أو الشخص هو الموضوع أو غير ذلك ضرورة أن الاستصحاب لا يقضي بذلك بل المراد الأخذ بالأحكام السّابقة حال الحياة المتفرعة على موضوعها الواقعي و إن لم يكن معلوما لنا بالخصوص إلا أنه معلوم على وجه الإجمال حال الحياة و بعد الموت نشك في وجود ما يترتب عليه الأحكام فيستصحب ذلك المعلوم الإجمالي و يترتب عليه أحكامه نظير