مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٥٧
تقليد الأحياء في الغالب إذ قل ما يتفق أن يعلم بالأعلمية في الأحياء حتى بالنسبة إلى الأموات فالإجماع على وجوب تقليد الأعلم في الأحياء دليل على أن الأموات لا عبرة بأقوالهم قال الشهيد في رسالته المعمولة في المسألة لو صح جواز تقليد الميت يلزم من ذلك التزام شنيع و هو أنه يتعين الرجوع حينئذ إلى الأعلم من الأحياء و الأموات عملا بما قررناه من القاعدة فلو فرض مجتهد حي يعلم قصور رتبته عن بعض من سلف من الفقهاء الأموات و لكن ليس في العصر سواه أو فيه غيره و لكنه أعلم الأحياء يلزم على هذا عدم جواز الرجوع إليه و الأخذ بقوله لوجوب تقليد الأعلم و الفرض أن بعض الأموات أعلم منه و أن قولهم معتبر و هذا خلاف الإجماع لا يقال هذا الفرض منفي بالإجماع على خلافه فبقي الكلام فيما لا إجماع فيه عليه فإن مثل ذلك كاف في تخصيص العام و التمسك بما عدا المخرج بالدليل لأنا نقول هذا باطل محال لزم من جواز تقليد الميت من حيث اتفق أو على وجه مخصوص و كل حكم لزم منه فهو محال فيكون جواز تقليد الميت على ذلك الوجه محالا و به يتم المطلوب أقول لمانع أن يمنع لزوم ذلك من تقليد الميت فلعله ناش من لزوم تقليد الأعلم إلا أنه خلاف الإنصاف لأن وجوب تقليد الأعلم عندهم مفروغ عنه فالإجماع المحكي على وجوب تقليد الأعلم لا بد من تخصيصه بالأحياء على وجه يظهر منه عدم الاعتداد بتقليد الأموات فيكون هذا الإجماع مثل الإجماعات المنقولة على عدم جواز تقليد الميت إلا أنهما مختلفان بالصراحة و الظهور السادس ما تمسك به المحقق المذكور أي ضا من أن المجتهد إذا تغير اجتهاده وجب العمل بالآخر و لا يعلم الأخير في الميت و فيه أنه إن أريد أنه لا يمكن العلم بالتقديم و التأخير في الميت على وجه الإطلاق فهو غير سديد ضرورة إمكان العلم بذلك في كثير من الموارد كما أنه إذا علم تأخير تأليف الكتاب الموجود فيه الفتوى و نحوه و إن أريد أنه قد لا يمكن ذلك فهو لا ينهض مانعا من التقليد فإن الحي قد لا يمكن العلم بذلك في فتواه أيضا و طريق الحل فيهما واحد و هو عند عدم إمكان العلم أو ما يقوم مقامه بالتعيين إما أن يكون متمكنا من الرجوع إلى فتوى لا معارض لها من ذلك المفتي فلا بد من الرجوع إليه و إلا كان مخيرا بحكم العقل و منه يظهر الجواب عما أورده الشهيد الثاني رحمه الله من أن كثيرا من الفتاوي المنقولة من الكتب غير مستند إلى أحد من المجتهدين فلعل المفتي بها ليس مجتهدا فإن انحصار المانع في أمثال هذه المواقع دليل على الجواز على تقدير تسليم وجودها مع أن الظاهر أن أحدا من أرباب الكتب المتداولة لا ينسبون القول إلى من ليس مجتهدا لا يقال إن تعيين المفتي من الشروط لأنا نقول لا دليل على ذلك كما يبين في محله ثم إنهم قد ذكروا وجوها أخر كلها مزيّفة و العمدة في المقام هو الوجهان المقدمان و هو الهادي إلى سبيل الرشاد هداية في ذكر احتجاج المجوزين و هي كثيرة لا تحصى أقواها أمور منها العقل و الكتاب و السنة و الإجماع أما الأول فتقريره من وجوه أحدها ما عول إليه المحقق القمي رحمه الله و محصّله أن رجوع العامي إلى المجتهد ليس تعبّدا كما يومي إليه تعليلهم في وجوب الأخذ بالأعلم بأن الظن في طرفه أقوى مضافا إلى أنه لا دليل على التعبد أما السيرة و الإجماع فلا جدوى فيهما أما الأولى فلأن السلف المعاصرين للإمام كان باب العلم في حقهم مفتوحا و عملهم إنما هو بعلمهم و أما الإجماع فهو موهون بذهاب فقهاء حلب على وجوب الاجتهاد عينا و إنكار جملة من أصحابنا الأخباريين للتقليد مما لا يقبل الإنكار فأين الإجماع بل التقليد اعتباره في حق العامي إنما هو بواسطة الظن الثابت اعتباره بعد الانسداد على وجه العموم و الكلية بالبرهان العقلي و لا فرق بين الظن الحاصل من قول الحي و غيره كما هو قضية ضرورة العقل فمناط العمل بقول الحيّ موجود في قول الميت بل ربما يكون الظن الحاصل من قول الميت أقوى و بالجملة فلا فرق بين المجتهد و المقلد في جواز العمل بالظن فإن المسوغ للمجتهد هو موجود بعينه في حق المقلد فلو دار أمره في الفروع بين حي و ميت و حصل له الرجحان في أن متابعة ذلك الميت أقرب إلى حكم اللّه يجب اتباعه بل و كيف يجوز للعالم الذي لا يجوز ذلك منعه عنه إذا لم يحصل من قوله الظن بعدم الجواز و على تقدير حصوله فلا يوجب ارتفاع الظن في المسألة الفرعية فيدور الأمر بينهما و من هنا يظهر أنه لا وجه للقول بأن الإجماع المنقول و الشهرة المحققة كل منهما أمارة ظنية على عدم جواز الاعتماد على الميت في الفروع إذ بعد تسليم إمكان انعقاد الإجماع في مثل هذه المسألة التي لم تكن متداولة في زمان المعصوم و إفادة المنقول منه كالشهرة الظن لا ترجيح لهذا الظن بالنسبة إلى الظن الحاصل في المسألة الفرعية لو لم نقل بأن الظن بالواقع أقوى لأن المقصود هو الوصول إلى الواقع أقول فيه وجوه من النظر أمّا أولا فلأن منع السيرة استنادا إلى انفتاح باب العلم في حق الموجودين في زمان الأئمة عليهم السلام مما لا يصغى إليه فإنه إن أراد من الانفتاح إمكان الوصول لهم إلى الأحكام الواقعية علما فهو مما لا سبيل إلى إثباته بل المنصف يقطع بخلافه ضرورة و إن أراد ما هو الأعم من العلم و من الأمارة المعلومة الاعتبار فهو حق لكنه ينهدم معه بنيان الكلام إذ ليست تلك الأمارة إلا قول العالم للجاهل و فتواه في غير مورد الرواية المنقولة لفظا و معنى و أما منع الإجماع بخلاف الحلبيين و الأخباريين فليس في محله لانقطاع الأول و قد عرفت أن إنكار الأخباري إنما هو بواسطة حسبانه أن الفتوى أمر مغاير لما هو جائز عنده و لذلك لو لم يكن الفتوى مبنية على الأنظار الدقيقة التي ما جعل اللّه لهم في ذلك حظا و نصيبا لا نراهم مانعين منه و بالجملة فجواز تقليد العامي في الجملة معلوم بالضرورة للعامي و غيره و ليس علم العامي بوجوب الصلاة في الجملة أوضح من علمه بوجوب التقليد مع اتحاد طريقهما في حصول العلم من مسيس الحاجة و توفر