مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٥٠
حكم العقل بوجوب دفع الضرر و لو في صورة الشك مما لا يعارضه شيء فأكل الفاكهة و شم الورد و إن اشتمل على أمارة المنفعة و خلا عن أمارة المفسدة إلا أنه ليس عدم الضرر به في الدنيا مقطوعا به و العقل مستقل بوجوب الاجتناب و حيث إنه لا شرع كما هو المأخوذ في عنوان البحث فلا تعارض أيضا ثم إن المراد من قولهم قبل الشرع بعد ما عرفت من أن الكلام في حكم العقل ظاهر يعنون به قبل ملاحظة الشرع فلا حاجة إلى بعض التطويلات الواقعة في كلام جملة منهم في المقام تذنيب قد ذكر المحقق القمي في آخر البحث كلاما طويلا مرجعه إلى أن اعتبار أصالة الإباحة على القول بها في أمثال زماننا الذي قد كشف الشارع الحكيم عن حال جملة من الأشياء المشتملة على أمارة المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة كشرب الفقاع و استماع الغناء و أمثال ذلك ظنّي فالقول بحجيتها موقوف على اعتبار الظن و استقلال العقل بحجيته و فرع عليه الحكم بكونها من المستقلات العقلية و على ذلك بنى الأمر في الرد على الفاضل التوني و السيد الشارح رضوان اللّه عليهما حيث حكم الأول بأن النزاع في الملازمة قليل الجدوى بل عديمها إذ ما من مورد لحكم العقل إلا و قد ورد من الشرع فيه آثار كثيرة و أخبار وافرة و استجوده الثاني فزعم أن أصالة حجية كل ظن إنما هي ثمرة من ثمرات مسألة الملازمة إذ بعد إحراز حكم العقل بحجية الظن و تطابق الحكمين كما هو المقصود بالبحث في الملازمة فالظن حجة شرعية و أية ثمرة أعظم منها إذ عليها تدور رحى الفقه من الطهارات إلى الديات و اعترض عليه بعض من تأخر عنه بمنع مقدمات الانسداد على ما قرره المورد و لعمري إنه اعتراض بارد و منع فاسد إذ لا يناط ترتيب الثمرة على صحة المذهب كما لا يخفى بل إن كان و لا بد من الاعتراض فليعترض بأن جماعة منهم السيد علم الهدى و العلامة آية اللّه نقلوا الإجماع على حجية الظن في مورد الانسداد فلا ثمرة أيضا إلا أنه أيضا بمعزل عن الصواب كما لا يخفى و التحقيق فيه يتوقف على تمهيد مقدمة فيها تتميم لما تقدم أيضا فنقول قد تقدم وجوب دفع الضرر الدنيوي عقلا و قد مر فيه الكلام على وجه يليق بالمقام و أما الضرر الأخروي فلا شك في كونه واجب الدفع أيضا بل العقل حكمه فيه أشد و النقل إبلاغه فيه أبلغ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ألف ألف ضربة من السيف أحسن من الموت على الفراش في مقام الجهاد إلى غير ذلك مما لا يحصى و لا يصلح لمعارضة شيء مع وجوده بخلاف الضرر الدنيوي فإنه مع احتمال العقاب لا يعقل معارضة بشيء آخر إلا أن يرتفع العقاب فلا كلام في أن العقل يستقل بوجوب دفع الضرر سيّما إذا كان أخرويا إلا أن الحكم العقلي في المقام و أمثاله إنما هو مجرد إرشاد و إراءة للمصلحة أو تشريع منه و طلب وجوبي أو ندبي على اختلاف مراتب المصالح و الحكم الشرعي المطابق لحكم العقل أيضا هو حكم إرشادي أو حكم تشريعي قد يتوهم كما عن بعضهم أن حكم العقل في أمثال المقام و كذا حكم الشرع حكم تشريعي و ليس على ما توهّمه لأن المراد بالإرشاد في الأوامر و النواهي المسوقة لبيانه ليس إلا بيان حقيقة الفعل و آثاره المترتبة عليه من مدح أو ذم و نحوهما من غير أن يكون مفيدا لإيجاب أو استحباب أو تحريم فلا يترتب على مخالفة الأوامر الإرشادية إلا ما يترتب على نفس الفعل من آثاره و لا على إطاعتها إلا ما يترتب عليه في نفسه من دون أن يترتب على الإطاعة و العصيان فيهما ما يترتب عليهما في الأوامر التشريعية من الفوائد المنوطة بهما و العقل في مقام الحكومة لا يزيد حكمه على هذا القدر كما لا يخفى إذ ليس له سلطان المالكية و أما الشرع و إن كان له التشريع إلا أن في بعض الأفعال ما يمنع عنه و بعضها مما لا يقبله كما في الأوامر الواردة في مقام الإطاعة و العصيان كقوله تعالى أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول مثلا و في مقام الاتّقاء عن النار كقوله تعالى و اتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة و في مقام طلب القرب بالنسبة إليه و رفع الدرجة في الجنّة و أمثالها فإن تلك الأمور غايات في الأوامر الشرعية فالأمر بها لا يزيد على إفادة حسنها في نفسها من غير أن يحتاج إلى غاية أخرى فيها و على هذا فلا يصلح لأن يكون الأمر المتعلق بها في الشريعة أمرا تشريعيّا و إن أبيت عن ذلك فنقول لو كان الأوامر المترتبة على تلك الأمور و ما يقاربها أوامر تشريعية يلزم التسلسل و بطلان التالي كالملازمة أوّلية فلا يترتب على مخالفة النهي عن معصية الرسول إلا ما يترتب على معصية الرسول و لا عصيان في تلك المخالفة لما عرفت من لزوم التسلسل على تقديره فظهر من جميع ما مر أن حكم العقل بوجوب شيء إنما هو مجرد إرشاد منه و حكم الشرع المطابق له قد يكون تشريعيّا كما في كثير من الشرعيات و قد يكون إرشاديا كما في وجوب دفع الضرر الأخروي المنتهي إلى العقاب و ما يماثله و إذا تمهّدت هذه فنقول قد تقدم في مباحث الظن اختلاف مشارب القائلين بالانسداد في كيفية الاستنتاج منه فتارة بالحكومة كما هو مشرب التحقيق و أخرى بالكشف على ما مر تفصيل القول في بيان المراد منهما و على التقديرين لا وجه لتفريع مسألة الظن على مسألة الملازمة أما على الأول فلأن حكم العقل تارة في مقدماته كقبح التكليف بما لا يطاق و أخرى في نفس النتيجة و على التقديرين لا يتم ما ذكره أما الأول فلأن قبح التكليف راجع إلى فعله تعالى و خروج أفعاله عن مسألة التلازم و التطابق مما لا يدانيه ريبة فإن أفعاله تعالى ليس مما يتعلق به حكم الشرعي و أما الحكم العقلي فيها فليس على ما هو المتراءى منه كما تخيله جهّال الأشاعرة على ما تقرر في محله و أما الثاني فلأن حكم العقل بالعمل بالظن على ما عرفت مرجعه إلى الاحتياط في المظنونات و هو من فروع الإطاعة و العصيان و قد تقرر في المقدمة الممهّدة عدم تعلق حكم شرعيّ بهما فالظن حال الانسداد كالعلم حال الانفتاح فكما أن العلم لا يقبل الجعل فكذا الظن فلا وجه لجريان مسألة التلازم فيه