مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٤٩
يرجع إلى الظلم أما الأولى فظاهر و أما الثانية فلأنه بعد تسليم تسلط المالك على ملكه و عدم إذنه في التصرف و منعه منه بعد التصرف فيه بغير إذنه ظلما فإنه وضع الشيء في غير محله و من المعلوم تعاليه تعالى عن الضرر و المنع اقتراحا كما في غيره من الملاليك و لك أن تقول إن التضرر في حقه تعالى غير معقول و كذلك المنع الاقتراحي إلا أنه يحتمل أن يكون بواسطة ضرر متعلق بنا فإن أفعاله معللة بالأغراض الراجعة إلينا رفعا للعبث و الاستكمال في حقه تعالى عن ذلك و مع هذا الاحتمال لا يجوز الإقدام على ارتكاب مثل تلك الأفعال و مع ذلك فلا يستقيم وجها آخر في قبال ثاني الوجهين لأوله حقيقة إليه كما ستعرف الثاني ما استند إليه الشيخ في العدة من أن في ارتكاب تلك الأفعال إقداما بما لا يؤمن النفس من ضررها و هو قبيح و لتحقيق الحال في هذا الاحتجاج محل آخر إلا أنه لا بد من الإشارة إليه إجمالا فنقول لا كلام في قبح الإقدام بما يعلم التضرّر فيه كما لا كلام في قبحه فيما لو ظن بالضرر و إنما الكلام في أن الظن بالسلامة يكفي في رفع القبح أو لا بد من دفع الضرر الموهوم و على تقدير الكفاية فهل الشك في الضرر يجب الاحتراز منه عقلا أو لا و قد يقال بأنه لا قبح في العقول في عدم التحرز عن الضرر الموهوم و إنما غاية ما يمكن القول به هو الاستحسان العقلي و لا يزيد على استحبابه عقلا إلا أنه بمعزل عن التحقيق على ما يظهر من بعضهم حيث إن الموارد التي يستكشف منها حال العقلاء في أمور معادهم و معاشهم من اكتفائهم بالظن في السلامة إنما هو بواسطة انسداد طرق العلم لهم بحيث لو اقتصروا على المنافع المعلومة و المضار المعلومة لزم اختلال نظامهم و ذلك لا ينافي حكمهم بالوجوب فيما لا يعارضه ما هو أقوى منه أو مساو له و أما الضرر المشكوك فلا ينبغي الشك بوجوب التحرز عنه عقلا بل و يظهر ذلك من علماء المتكلمين أيضا كما يلوح عند حكمهم بوجوب شكر المنعم كما لا يخفى إلا أن الظاهر من الفقهاء بل كاد أن يكون إجماعا منهم عدم لزوم الاجتناب عنه كما فيما لو شك في وجوب السفر مع العلم بعدم ترتب الضرر على تركه و كما لو شك في الوضوء بترتب الضرر عليه فإنهم مطبقون على عدم الاعتناء بهذا الشك إلا عن جماعة من المتأخرين أولهم الفاضل الهندي في شرح الشرح على ما حكاه الأستاذ و بالجملة فالذي يظهر منهم عدم لزوم الاحتراز شرعا و لا ينافيه أيضا خلاف بعض المتأخرين لأنهم على ما صرح به الفاضل إنما قالوا به بواسطة زعمهم أن موضوع الخوف الصّادق مع الشك في الحكم بالإفطار و التيمم و نحوهما يغاير موضوع الضرر و إلا فموضوع الضرر لا يقضي بتقييد الإطلاقات في صورة الشك كما يقضي به عند العلم أو الظن فالفاضل لو سلم انحصار المقيد في الضرر كما هو كذلك على ما بيناه في محله مستقصى من أن الخوف طريق إلى الضرر لا يقول بوجوب دفع الضرر المشكوك و لا يحكم بتقييد ما دل على وجوب الصوم مثلا عند الشك في الضرر و العقل لصرافته يحكم بالوجوب فلا بد من توجيه و توفيق و الذي يظهر في الجواب على ما أفاده الأستاذ أن يقال إن الضرر المنفي في الشريعة المقيد لموضوعات أحكام الشرع عبادة و معاملة هو الضرر الدنيوي كما يظهر من ملاحظة حكمهم بسقوط الصوم و الوضوء في موضوع الضرر و عدم لزوم العقد عند اشتماله على ضرر أحد المتعاقدين مثلا و لا يصح أن يكون الضرر الأخروي مقيدا لإطلاق ما دل على ثبوت الحكم الشرعي لأن المراد بالضرر الأخروي على ما يستفاد من كلمات المتكلمين و جملة من الأخبار ليس إلا العقاب و هو من توابع الحكم الشرعي فلو فرض تقييد موضوعه بهذا الضرر لزم الدور و العقل و إن كان مستقلا في لزوم دفع الضرر و لو كان دنيويا إلا أنه بعد ملاحظة انضمامه بحيثية تجريدية لا مطلقا ففيما لو عارضة ما هو أقوى منه لا قبح في عدم الاجتناب و الموارد التي لا يجب الاجتناب فيها بأجمعها إنما هو بواسطة تعارض الضرر بما هو أقوى منه و لو كان الكاشف عن التعارض و وجود ما يعارضه حكم الشرع كيف و الشارع يحكم بوجوب شيء و لو كان مشتملا على ضرر قطعي كما صرح به جماعة منهم الشهيد في القواعد في مقام نفي التقية عن الدماء و إظهار كلمة الكفر فإنه ربما يكون مباحا و قد يكون حراما فيحرم على المكلف إظهار كلمة الكفر و لو انجر إلى قتله يقينا لكن فيما لو كان المأمور بإظهار الكفر ممن يعتد بشأنه بحيث لو أظهر الكفر احتمل وقوع ثلمة في الدين مثلا و بالجملة فبعد ما لاحظنا طريقة الشرع من عدم الاعتبار بالضرر المقطوع و لو في بعض المقامات مع قطع العقل بلزوم الاحتراز فيه و لا يذهب وهم إلى تناقض حكمي الشرع و العقل لظهور أن حكم العقل إنما هو في صورة الانفراد و عدم التعارض لا إشكال و لا تنافي أيضا في المقام بل بطريق أولى فيجوز أن يحكم الشارع بعدم ترتيب آثار الضرر المشكوك بأصالة عدم الضرر و نحوها من الأمارات الشرعية في مواردها و حكم العقل بلزم الاجتناب أيضا في محله و لا ينافيه ما تقدم من التطابق أيضا لاختلاف الأحكام باختلاف الموضوعات كما لا يخفى و لذا تراهم يتمسّكون في مقام نفي الحكم المشتمل على الضرر بأدلة شرعية من غير أن يلتفتوا إلى حكم العقل بوجوب الاجتناب فرفع الضرر الدنيوي و لزوم الاجتناب منه في الأحكام الشرعية حكم شرعي و لا مانع من تخصيص الشارع حكمه باعتبار اختلاف مصالح الحكم و حكمه بمورد دون آخر و من هنا يعلم وجه لزوم الاجتناب فيما إذا اشتمل أحد الإناءين على السم في الشبهة المحصورة حيث إنه لا دليل شرعا على جواز الارتكاب من الأصول العملية كما يظهر لك في محله إن شاء الله و العقل بصرافته يحكم بلزوم الاجتناب من غير ما يقضي بخلافه و لو بواسطة اختلاف الموضوع كما أنه يظهر لزوم الاجتناب فيما نحن فيه