مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٣٠
الاتحاد المحذور اللّهم إلا أن يجاب عنه بأن الحكم العقلي في المقام هو وجوب المقدمة عند وجوب ذيها على وجه إجمالي كلي يتوصّل به إلى ح كم شرعي خاص كوجوب الوضوء للصّلاة و الخروج مع الرفقة للحج و أمثال ذلك مما هو ظاهر كالحكم في سائر الكبريات المستدل بها على ثبوت أحكام أفراد موضوعها كما لا يخفى ثم إن التقسيم المذكور مما لا وجه له ظاهرا إذ العقل بعد فرض حكمه فهو مستقل فيما يحكم به و لا ينافيه ثبوت موضوعه بالشرع فإن العقل يستقل بوجوب مقدمة الواجب و حرمة الضد كما يستقل بوجوب رد الوديعة و حرمة الظلم من غير فرق بينهما إلا فيما لا عبرة به في الاستقلال و عدمه و هو تحقق موضوعه شرعا في الخارج فالحاجة إلى ثبوت الموضوع لو كان مما يؤثر في الاستقلال و عدمه لما كان هناك حكم يستقل به العقل للاحتياج المذكور و بالجملة فالعقل يحكم بامتناع انفكاك أحد المتلازمين عن الآخر و إن كان ثبوت الملزوم متوقفا على شيء آخر في الخارج اللهم إلا أن يقال إن الكلام ليس في تلك العناوين الكلية كوجوب المقدمة عند وجوب ذيها أو امتناع الانفكاك بين المتلازمين بل الكلام إنما هو في العناوين المخصوصة المعنونة في كتب الفقهاء من وجوب الوضوء عند وجوب الصّلاة و حرمة الصلاة عند نجاسة المسجد و حرمة الضرب عند حرمة التأفيف و نحوها من الأحكام الخاصة و لا ريب أن العقل لا يستقل إدراك أحكام تلك الأمور المخصوصة إلاّ بعد ورود خطاب شرعي على وجوب الفعل أو حرمته بخلاف حكم العقل بحرمة الظلم و لو في مورد خاص فإنه لا حاجة في ذلك إلى خطاب أصلا بل يكفي فيه مجرد حكم العقل بالتحسين و التقبيح فالحكم الكلي بحرمة الأشد عند تحريم الأخف أو وجوب المقدمة عند وجوب ذيها أو حرمة الضد عند وجوب الضد الآخر لا يثمر في حكم العقل بحرمة الصّلاة و التأفيف و وجوب الوضوء إلاّ بعد ورود خطاب الشرع و هذا هو المراد بالتقسيم و أما ما عدّه الفاضل التوني من الدليل العقلي كالحكم بالملازمة بين القصر و الإفطار و لو كانت الملازمة شرعية فهو بظاهره أيضا ليس بشيء لأنك قد عرفت آنفا أن الدليل لو كان كلتا مقدمتيه شرعية صغرى و كبرى فهو دليل شرعي لا وجه لعدّه من الأدلة العقلية و في المقام صغرى القصر شرعية و الكبرى و هي القضية القائلة بالملازمة أيضا شرعية لا مدخل للعقل فيها إلا مجرد الاستنتاج و هو لا يثمر في نسبة الدليل إلى العقل لوجوده فيما ليس بعقلي قطعا و بالجملة إذا ثبت وجوب القصر في أربع فراسخ و ثبت أيضا وجوب الإفطار فيما وجب فيه القصر على وجه كلي ثبت وجوب الإفطار في المسافة المقدرة من غير توسيط للعقل إلا فيما لا مدخل له في انتساب الدليل إلى العقل و هو مجرد الاستنتاج و إلا فيلزم أن يكون الأدلة الشرعية بأجمعها أدلة عقلية و فساده غير خفي قال الأستاذ دام ظله السّامي و هذه الإيرادات على التعريف و التقسيم و على ما أفاده الفاضل التوني مما كنا نورده في سالف الزمان و أما الآن فنحن معرضون عنها أما بالنسبة إلى التعريف و التقسيم فلما عرفت و أما بالنسبة إلى ما أفاده الفاضل التوني فلأن الحكم في الكبرى قد يكون على وجه كلي كأن يقول الشارع كل ما وجب فيه القصر وجب فيه الإفطار و لا ريب في صلوحه لإثبات النتيجة بعد ضم الصغرى الشرعية مثلا إليها من غير حاجة إلى حكم العقل بامتناع انفكاك أحد المتلازمين عن الآخر بل و هذا عين مفاد حكم العقل كما في قولنا كل متغير حادث على ما لا يخفى و قد يكون الحكم الثابت بالشرع على وجه يحتاج إلى ملاحظة حكم العقل بامتناع انفكاك المتلازمين أيضا كأن يقول القصر ملازم للإفطار أو ما يؤدّي مؤدّاه و حينئذ فلا بد من ضم كبرى عقلية إليها يستند الحكم في الواقع من امتناع الانفكاك بين المتلازمين و إن كان اللزوم شرعيا فإنه ليس بضائر كما في الحكم بوجوب المقدمة و حرمة الضد و ما أفاده من قبيل الثاني لا الأول فصح التعريف و التقسيم و ما أفاده بأجمعها كما لا يخفى أصل لا كلام في المقام في حجية العلم الحاصل من الأدلة الشرعية العقلية التي لا تبتنى على التحسين و التقبيح العقليين فإن لها محلا آخر قد فرغنا عنه فيما سلف في حجية الظن و ذكرنا أن المخالف فيها هناك هو بعض الأخبارية و تبعهم في ذلك بعض المتأخرين فلا نطيل بإعادته و هل العقل فيما هو مبني على القول بالحسن و القبح بمعنى أنه إذا أدركت عقولنا حسن شيء على وجه ملزم أو قبحه كذلك فهل هو مما يعتبر في التوصل به إلى الحكم الشرعي و يصح استكشافه أم لا و اعلم أن محل الكلام أولا ليس فيما يتفرع على القاعدة المزبورة و لو بالنسبة إلى أفعاله تعالى كوجوب العدل و قبح الكذب و الظلم في حقه تعالى فإن هذه الأحكام و إن كانت مما يتفرع على الحسن و ما يقابله إلا أن أفعاله تعالى ليس مما يتعلق به حكم شرعي حتى يتوصل بالحكم العقلي إلى الحكم الشرعي كما في غيره من أفعال العباد فإن من قبح الظلم و حسن ردّ الوديعة يستكشف الحكم الشرعي في حقهم و ذلك ظاهر لا سترة عليه ثم اعلم أن المعروف بين من تقدم على الفاضل التوني اكتفاؤهم عن هذا العنوان بعنوان مسألة إثبات إدراك العقل للحسن و القبح و أول من جعل هذا المبحث عنوانا آخر هو الفاضل المذكور و لعله أخذه من كلام الفاضل الزركشي حيث التزم بالحكم العقلي و نفي الملازمة بينه و بين الحكم الشرعي إلا أنه تبعه في ذلك جماعة ممن تأخر عنه و لكن التحقيق أن البحث الأول على ما يستفاد من كلماتهم في عناوين المبحث و أدلة الطرفين نفيا و إثباتا و ثمرات المسألة بين الفريقين مغن عن العنوان الثاني و توضيح ذلك يتوقف على ذكر كلمات من تعرض لها من أصحابنا و مخالفينا في الموارد الثلاثة أما كلمات أصحابنا في أول المقامات فمنها ما ذكره الفاضل المحقق اللاهيجي في رسالته الفارسية المسماة بگوهر مراد