مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٠١
على البحث و التفتيش في طلب الأدلة عموما و خصوصا و معارضاتها موافقا و مخالفا مجتهدا و أخباريا و المنكر إنما يناقض عمله قوله و لا يجوز عنده البدار بالفتوى بمجرد عموم رواية أو آية دل على مطلوب كيف و لو لم يكن كذلك لكان الواجب عليه الاقتصار في كل باب على عموم وارد فيه فيأخذ بإطلاق قوله تعالى و أنزلنا من السّماء ماء طهورا و يفتي بما يقتضيه فهل المجوز أنما يقتضي في تحصيل الأحكام الشرعية بتحصيل المخصّصات و الفحص عنها و ترك التعويل على العموم كلاّ بل الإنصاف أن عدم اجترائه في الأخذ بالعموم ابتداء و إتعاب نفسه في تحصيل المدارك بعد الأخذ بالعموم إنما هو من أقوى الشواهد على أنه لا يجوز ذلك بحسب ما فطر اللّه عليه و إن كانت تلك الفطرة الإلهية قد اكتساها غواشي الأوهام في الظاهر و يعمل على غير مشاكلتها في مقام الجدل و إن كان المجوز مجترئا بالفتوى بمجرد اطلاعه على رواية من دون فحص هل هذا إلاّ هرج و مرج و تغيّر في دين اللّه و تبديل لشريعة الرّسول مع أنه بالغ في حفظه فيما سبحان اللّه كيف يمكن أن يقال إن الفقيه إذا اطلع على الفقيه يكتفي به عن الكافي و كيف يستغني في تهذيب المطلوب به عن التهذيب اللّهم إلا أن يكون من دون استبصار فالمرجوّ من كرمه تعالى أن يحفظنا عن الخطاء الخامس الأخبار الدالة على أن في الكتاب و السنّة عاما و خاصّا و مطلقا و مقيّدا كما ورد في نهج البلاغة و غيره و الإنصاف عدم ظهور دلالة تلك الأخبار على المدعى و هو الفحص نعم يدل على وجوب الأخذ بعد الاطلاع و هو من الأمور الضرورية التي لا تحتاج إلى تجشم استدلال في المقام احتج المجوّز بأمور الأول ما حكي عن الصّيرفي من التعويل على الظن الحاصل من أصالة عدم التخصيص و اعترضه في محكي النهاية بمعارضتها لأصالة عدم حجية الظن و لا وجه له على تقدير جريان الأصل اللفظي ضرورة ثبوت التعويل على الظنون اللفظية الكاشفة عن المراد و الوجه هو ما قدمناه من أنها موهونة بواسطة العلم الإجمالي بالتخصيص و اعترض عليه بعض من قارب عصرنا تارة بأن العلم الإجمالي لا يمنع عن العمل بالأصل إلا إذا كانت الشبهة محصورة و جعل ذلك من باب الشبهة المحصورة من غرائب الجعليات فإنه إذا كان من باب المحصور فأين غير المحصور قلت و لعله سهو من مثله إذ لا إشكال في كون المقام من المحصور نظرا إلى كثرة المعلوم بالإجمال و إن كانت الأطراف أيضا كثيرة و أخرى بأن كونها من باب المحصور مسلّم لكن لا يجب الموافقة القطعية فيه كما قرر في محله و فيه ما قرر في محله من لزومها ثم اعلم أن دعوى العلم الإجمالي تارة تكون في جميع العمومات و أخرى تكون في عام واحد و عدم وجوب الموافقة القطعية على تقدير صحته إنما يتم في الأول دون الثاني لأوله إلى كون العام مخصوصا بمجمل و قد عرفت الحال فيه فيما تقدم إلا أن ذلك لا يمنع المعترض أيضا حيث إنه ذهب إلى حجية هذا العام المخصّص بالمجمل الثاني أنه لو وجب الفحص عن المخصّص لوجب الفحص عن قرينة المجاز أيضا و التالي باطل و الملازمة ظاهرة حيث إنه لا فارق و أجيب بعد تسليم بطلان التالي بشيوع التخصيص و غلبته فالفارق موجود و عورض بأن المجاز أيضا شائع حتى قيل بأن أكثر ألفاظ العرب مجازات و أورد عليه بأنه إغراق سلمنا لكنه لا يجديهم فيما أرادوا من كون المجاز اللغوي أكثر من الحقيقة لاحتمال المجاز العقلي و الاستعارة التمثيلية و المجاز في الإعراب بالحذف و الزيادة أقول بعد الإحاطة بما قدمنا لا حاجة إلى إطالة الكلام في إبطال هذه الكلمات إذ بدون العلم الإجمالي لا يعقل وجه لطرح الأصل في المقامين و معه لا وجه للأخذ به فيهما من غير فرق في ذلك بين الأدلة الشرعية و غيرها من الكلمات المستعملة عندهم في المحاورات من غير فرق بين القرائن المعمولة في المجازات اللغوية أو غيرها و بذلك يظهر فساد الإيراد الأخير نعم احتمال هذه الوجوه من المجاز يؤيد ما ذهب إليه ابن جني من أن أكثر كلام العرب مجازات إذ لم يصرّح و لم يظهر منه المجاز في الكلمة فتدبر الثالث إطلاق ما دل من الآيات و غيرها على اعتبار أخبار الآحاد كآية النبإ و النفر و السؤال فإن قضية إطلاقها وجوب الأخذ بالخبر من دون انتظار أمر آخر من الفحص و غيره و الجواب أن الاعتماد على أخبار الآحاد موقوف على سدّ خلل السّند و الدلالة و جهة الصّدور مع خلوّها عن المعارض و قد وضعوا لكل واحد من هذه المقامات مقاما و عقدوا بابا على حدة و المنعقد للمقام الأول هو مسألة حجية الأخبار و الآيات على تقدير دلالتها إنما يصح التمسك بها فيما إذا كان الشك من هذه الجهة و أما إذا شك من جهة أخرى فالتعويل على هذه الإطلاقات في دفع الشك المذكور مما لا وجه له فهل ترى أنه إذا شك في جواز الاعتماد على الظن الحاصل من أصالة الحقيقة و لو بعد الفحص يصح التمسك بالإطلاق المذكور فالإنصاف أن الاستدلال المذكور أجنبي عن طريقة أهل الاستدلال و إن كان المس تدل بمنزلة ربهم و العجب أنه يحتمل تفطنه بذلك حيث أورد على نفسه بقوله فإن قلت هذا يتم في نفي اشتراط القطع و أما اشتراط الظن فللخصم أن يدعي أن المعنى أن الخبر الذي يفهم المراد منه ظنا أو قطعا لا يجب التثبت عند مجيء العادل به و أما الخبر الذي لا يظن بالمراد منه فخارج عن مدلول الآية و مفهومها فأجاب عنه بأن ذلك يوجب تقييد الإطلاق و لو صح ذلك لصح القول باعتبار الظن في السند أيضا ثم أخذ في إبداء الفارق بين المجمل و بين العام بما حاصله استقباح العقل التعبد بالمجمل بخلاف العام و حكم بخروج الأول عن الآية بالإجماع بخلاف الثاني إذ لا إجماع أقول بعد ما عرفت من اختلاف الجهات المذكورة يظهر وجوه الفساد فيما أفاده إذ الشك في المقام ليس من جهة السند حتى يؤخذ بالإطلاق و إن صح ذلك فيما لو قيل باعتبار الظن في السند على تقدير دلالة الآية على حجية السّند تعبّدا و إلا لم يكن ذلك أيضا تقييدا كما لا يخفى و المجمل ليس بخارج من الإطلاق قطعا و إن لم يمكن الانتفاع به من جهة عدم إحراز جميع شرائط الانتفاع بالدليل اللفظي كما هو ظاهر