مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٤٦
و قد سلك هذا المسلك غير واحد من المجوزين و أوضحه المحقق القمي رحمه الله و حيث إن ذلك مبني على مقدمات غير مسلّمة من عدم وجوب المقدمة و لا سيما فيما إذا كان ذوها متحدا معها في الوجود الخارجي كما نبهنا على ذلك في محله و اختلاف الطبيعة و الفرد باتصاف أحدهما بالوجوب التعبدي و الآخر بالوجوب التوصّلي و كلّ ذلك مما لا محصّل له لأن وجوب المقدمة ضروري بالمعنى المتنازع فيه و لا سيما فيما إذا كانت متحدة مع ذيها في الوجود على أن مقدمية الفرد للطبيعة مما لم نقف لها على محصّل فإن الفرد على ما هو التحقيق ليس إلا عين الطبيعة كما ستعرف فالأولى أن يوجه عدم المانع على وجه لا يبتني على هذه المقدمات و هو أن يقال إن الفرد الجامع للعنوانين إنما هو متصف بالحرمة العينية بناء على اقتضاء النهي استيعاب أفراد الماهية المنهي عنها و ليس متصفا بالوجوب المتضاد للحرمة بوجه و توضيحه أن الوجوب المتوهم اتصاف الفرد به إما العيني أو التخييري و على الثاني إما أن يكون شرعيّا أو عقليّا و الأولان ظاهر انتفاؤهما في المقام أما الأول فلأن الوجوب العيني أنما هو متعلق بالطبيعة و ليس الفرد واجبا عينيا و إلا لاستلزم إما وجوب جميع الأفراد أو عدم حصول الإجزاء بفرد آخر و التالي بقسميه باطل ضرورة عدم وجوبها و حصول الإجزاء بجميعها و الملازمة ظاهرة جدّا لا يقال إن ثبوت حكم للماهية يستلزم سراية ذلك الحكم إلى الأفراد كما في الأوصاف اللاحقة للماهية باعتبار وجودها الخارجي كالبياض و السواد و الحلاوة و المرارة و الحرارة و نحوها لأنا نقول إن اتصاف الطبيعة بالوجوب العيني ليس من قبيل اتصافها بأوصافها القائمة بها باعتبار وجودها في الخارج و إلا لاستلزام أحد المحذورين من اتصاف الجميع بالوجوب العيني و عدم الإجزاء و أما الثاني و هو عدم اتصاف الفرد بالوجوب التخييري الشرعي فهو من الأمور الواضحة لا يليق توهم خلافه لأحد و أما الأخير و هو الوجوب التخييري العقلي فبيان عدم اتصاف الفرد به يحتاج إلى تمهيد مقدمة و هي أن التخيير العقلي ليس من الأحكام التكليفية العقلية بل التحقيق أن مرجعه إلى إذن وضعي و ترخيص لا يئول إلى التكليف من حيث مساواة الأفراد في نظر العقل حيث إنها مما يحصل معها الامتثال بالواجب العيني و حاصله يرجع إلى التصديق بأن الطبيعة المطلوبة أنما تتحقق في هذه الأفراد و ليس ذلك مما ينافي حرمة واحد من هذه الأفراد و إذ قد عرفت هذه فإن أريد من اتصاف الفرد بالوجوب العقلي التخييري ما ذكرنا فقد عرفت عدم المنافاة و إن أريد معنى آخر مثل حكم الشارع بالتخيير بين أفراد ماهيات مختلفة كخصال الكفارة على وجه يتصف كل واحد منها بالمطلوبية التخييرية فلا نسلم أن الفرد متصف بالوجوب بهذا المعنى و إلزام العقل بالامتثال راجع إلى امتثال الواجب العيني و لا حكم له في الأفراد بوجه إلا ما عرفت من التصديق و هو ليس حكما تكليفيا كما هو ظاهر فإن قلت فعلى ما ذكرت من عدم اتصاف الفرد بالوجوب على اختلاف أنحائه فما مناط الامتثال و من أيّ وجه يتصف بالصحة التي لا يراد بها إلا مطابقة الفعل للمأمور به و من المعلوم أن ذلك غير معقول على تقدير عدم تعلق الأمر به بوجه لا عينا و لا تخييرا قلت إن انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد و تحققها فيه كاف في الصحة و انتزاعها و لا حاجة إلى اعتبار أمر خارج عن الأمر المتعلق بالطبيعة في الفرد حتى يتصف بالصحة و يكون موردا لانتزاعها بل و هذا هو الوجه في اتصاف الفرد بالصحة و لو في غير الأفراد المحرّمة فإن قيل إن اجتماع المصلحة و المفسدة التي هما جهتا ثبوت الوجوب و الحرمة أيضا ممتنع و الفرد المحرم لا بدّ و أن يكون مجمعا لهما و إن لم يجتمع فيه الوجوب و الحر مة قلنا إن أريد بالمصلحة و المفسدة الحسن و القبح الفعليان فلا نسلم اجتماعهما في الفرد فإن اجتماعهما في الفرد يوجب اجتماع الوجوب و الحرمة فإنهما علتان تامتان لهما و المفروض عدم اجتماعهما و إن أريد وجود الجهات المقتضية للحسن و القبح فلا نسلم امتناع اجتماعهما كيف و هو معلوم لا ينبغي التأمل في ثبوته كما يلاحظ في الأدوية المضرة للسوداء النافعة لما يضادها و في الأغذية النافعة لبعض الأمراض و الموجبة لبعض آخر فإن كل ذلك مما يشاهد بالوجدان و ليس فيه استحالة من حيث اجتماع الحب و البغض في الفرد و السر في ذلك أن متعلق الحب و البغض هو نفس تلك الجهات و لا سراية إلى ما يشتمل على تلك الجهات و الجواب عن ذلك يظهر بعد تمهيد مقدمة و هي أن الحق كما عليه المحققون وجود الكلي الطبيعي في الخارج و معنى وجوده هو أن الصورة الكلية المطابقة للكثيرين المنتزعة من الصورة الشخصية الحاضرة في الخيال بتجريدها عن لوازم الشخصية من الأوضاع الخاصة و الكيفيات المخصوصة تارة تلاحظ في نفسها و لا يحكم عليها بالوجود ذهنا و لا خارجا و لا بالكلية و الجزئية ضرورة أن هذه كلها أوصاف خارجة عن الماهية طارئة عليها و إن كانت متصفة بالوجود الذهني في الواقع فإن عدم اتصافها به يوجب التعامي عن بيان أحكامها وجودا و عدما و أخرى تلاحظ من حيث إنها متصفة بالوجود ذهنا أو خارجا فعلى الأول فهو فرد من مفهوم الصور الذهنية و مصداق من مصاديق العلم و على الثاني فهو فرد من أفراد تلك الماهية في الخارج فالفرد ليس إلا تلك الماهية عند اتصافها بالوجود الخارجي و بعبارة أخرى أن الفرد ليس إلا الطبيعة الخارجية و لا يعقل من الفرد سوى ما ذكرنا و الإنصاف أن وجود الكلي بالمعنى المذكور من الأمور الواضحة الجلية التي لا يتوقف العلم به على ملاحظة أمر خارج عن طرفي الحكم المزبور نعم ربما قيل إنه يحتاج إلى تنبيه حيث إن الطبيعة لا بشرط شيء ربما يتوهم أن مقارنة شيء لها مانعة عن وجودها و حمل ما هو المعروف في