مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٤٠
فلأن إنكارهم وجود المصالح و الجهات المحسّنة مما لا ربط له بالقول بتأكد الطلب بواسطة العنوانين و هو ظاهر و بمثله نقول فيما إذا اجتمع الوجوب و الندب فإنه يحصل به تأكد الطلب نظير اجتماع السواد الشديد و الضعيف فإن الثاني لا يتحقق في مورد الشديد على وجه يغاير الشديد لما عرفت من لزوم اجتماع المثلين بل يشتد الشديد بلحوقه و لا بد أن يكون الحكم الفعلي في موارد اجتماعهما الوجوب دون الاستحباب لاضمحلال الضعيف في جنب الشديد دون العكس فإن وجود الجهة الناقصة لا ينافي في ثبوت الوجوب و تحقيقه أن الجهات التي لا تقتضي حكما إلزاميا كالإباحة و الندب و نحوهما إنما يستند إليها فيما إذا لم تكن للشيء جهة ملزمة فإنه يكفي في تحريم شيء اشتماله على جهة مقبحة مقتضية لتركه على وجه الإلزام و لا حاجة إلى اشتماله على تلك الجهة من جميع الجهات و يكفي في إيجاب الشيء اشتماله على جهة مقتضية له و إن اشتمل على جهات أخرى لا تقتضي ذلك و هو ظاهر فيحصل من جميع ما مر أن اجتماع الوجوب و الاستحباب و الوجوبين على اختلاف وجوهها من النفسية و الغيرية و غيرها غير ممكن لو أريد به وجودهما فعلا و ممكن لو أريد به وجود الآثار المستندة إليهما من الثواب و الامتثال و لذلك قلنا بصحة الوضوء في وقت وجوبه فيما لو نوى استحبابه في نفسه كما تقدم في بحث المقدمة لكنه مبني على القول باختلاف الوجوب و الاستحباب بالشدة و الضعف كما هو الظاهر و ربما يكون الوجه في زيادة الثواب المترتب على العمل شدة الطلب المتعلق به و يلزم من ذلك أن يكون الواجب أكثر ثوابا من المندوب كما لعله المشهور بينهم و ورد فيه الروايات إلا أن قضية ذلك عدم جواز الاستثناء من ذلك مع أنهم ذكروا لقاعدة أفضلية الواجب موارد مستثناة قال الشهيد في محكي القواعد الواجب أفضل من الندب غالبا لاختصاصه بمصلحة زائدة و لقوله تعالى في الحديث القدسي ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما إذا افترضت عليه و قد تخلف ذلك في صور كالإبراء من الدين الندب و إنظار المعسر الواجب و إعادة المنفرد صلاته جماعة فإن الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع و عشرين درجة فصلاة الجماعة مستحبة و هي أفضل من الصّلاة التي سبقت و هي واجبة و كذلك الصلاة في البقاع الشريفة فإنها مستحبة و هي أفضل من غيرها من مائة ألف إلى اثنتي عشرة صلاة و الصلاة بالسواك و الخشوع في الصلاة مستحب و يترك لأجله سرعة المبادرة إلى الجمعة و إن فات بعضها مع أنها واجبة انتهى و قد يشكل مضافا إلى ما عرفت من عدم جواز تخصيص القاعدة العقلية أن المركوز في أذهان المتشرعة زيادة ثواب جملة كثيرة من المندوبات من جملة الواجبات كالصيام في الهجير بالنسبة إلى ردّ السّلام و كذا زيارة الحسين عليه السلام إلى غير ذلك من الأمور المندوبة كبناء المساجد و القناطر و غير ذلك من الأمور الباقية مدى الدهر التي ينتفع منها عامة العباد في أطراف البلاد فإما أن يقال بأن تأكد الطلب غير كاشف عن تأكد المصلحة و زيادة الثواب أو يقال بأن الواجب أفضل من المندوب مطلقا و لا وجه للأخذ بالروايات الظاهرة في الزيادة المخالفة لحكم العقل فإنها مطروحة أو مؤولة و ليس تلك الروايات بقطعية كالإجماع حتى نحتاج إلى توجيه في الجمع بين العقل و الإجماع بدعوى اختصاص أحدهما بما لا مدخل للآخر فيه و نحوه كيف و الإجماع كما نقله المحقق البهائي في الأربعين على خلافه و قد يقال في التوجيه أن المصلحة القاضية بالوجوب هو رفع المضرة و المفسدة و الحكمة الداعية إلى الاستحباب هو جلب المنفعة و قضية قوله لكل امرئ ما نوى هو حصول المنفعة للعبد بفعل المندوب فيما إذا قصده و رفع المضرة عنه فيما إذا طلبه من فعل الواجب و هو لا ينافي فضل الواجب إذا أريد منه المصلحة أيضا و فيه أولا أن دفع المضرة في الواجب ملازم للمنفعة الداعية إلى تشريعه فيما لو أتى به على وجهه و إلا فلا يترتب عليه دفع المضرة أيضا و ثانيا أن الإشكال باق فيما لو فرضنا الإتيان بالواجب لأجل المنفعة على تقدير تعقل الانفكاك و قد يدفع الإشكال عن الزيارة بأن فضلها على كثير من الواجبات أنما هو بواسطة كونها من مظاهر الولاية التي هي من أهمّ الواجبات فإنها بالزيارة تتحقق في الخارج و فيه أن مطلق الأعمال المستحبة يمكن أن يقال بأنها من مظاهر التعبّد للَّه الذي هو فوق الولاية في الوجوب و بالجملة فهذه الكلمات لا تدفع الخصم ثم إنه قد يظهر من بعضهم أن أجزاء غسل واحد عن الجنابة الواجبة و الجمعة المندوبة أنما هو بواسطة اجتماع الواجب و المندوب في فرد واحد فيكون من موارد اجتماع حكمين متضادين حتى أن بعضهم قد جعله دليلا برأسه على الجواز كما حكاه الفاضل النراقي أقول و مثله ما عن البعض من مطلق تداخل الأسباب في بعض الموارد كما في منزوحات البئر و أسباب السجدة و نحوها و لا بأس بتحقيق في ذلك في مقامين أما المقام الأوّل ففي توضيح الحال في تداخل الأسباب على وجه يظهر أنه ليس من موارد اجتماع الأحكام المتضادة أو المتماثلة في ش يء فنقول إذا دل الدليل الشرعي على وجوب شيء عند حدوث شيء آخر كما إذا قيل إذا نمت فتوضأ و إذا التقى الختانان وجب الغسل فإذا لم يعلم بوجود سبب آخر لترتب الجزاء المذكور فيحكم بحسب الظاهر بأن النوم علة تامة لوجوب الوضوء و الالتقاء للغسل سواء كان جميع ما عداه موجودا أو معدوما و هذا هو معنى حجية مفهوم الشرط و ذلك الجزاء تارة يكون قابلا للتكرار و التعدد كما في قولك إذا رأيت زيدا فأعطه درهما فإن إعطاء الدرهم له مما يمكن أن يتكرر وجوداته في الخارج و إما أن لا يكون قابلا للتكرار و التعدد كما في قولك إن زنى زيد فاقتله فإن قتله مما لا يقع مكررا