مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٣٨
و من صلاح العبد و طاعته و نصحه لمولاه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و أمره و من برّ الولد أن لا يصوم تطوّعا إلا بإذن أبويه و أمرهم ا و إلاّ كان الضيف جاهلا و كانت المرأة عاصية و العبد فاسقا و الولد عاقا بناء على حملها على الكراهة دون الحرمة و ما في رواية فضل بن يسار قال رسول اللَّه إذ وصل الرجل بلدة فهو ضيف و لا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا بشيء فيفسد عليهم و لا ينبغي أن يصوموا إلا بإذن الضيف لئلا يحشمهم فيشتهي الطعام فيتركه لهم و ظاهرها ما عرفت من أن الوجه في كراهة هذه الصيام ملازمة هذه العناوين المكروهة لها فإن قلت ذلك لا يتم فيما لا يكون هناك عنوان مكروه ملازم للعبادة لمطلق الصوم في السفر و الصلاة في الأوقات المكروهة و نحوها فإن ظاهر النهي المتعلق بها مطلوبية الترك على وجه الإطلاق قلت بعد الغض عن إمكان انتزاع عنوان مكروه كالتشبيه بعبدة الشمس للصلاة وقت الطلوع مثلا و نحوه في جميع الموارد كما لا يخفى نقول إن صريح العقل قاض بوجود عنوان مكروه ملازم لهذه العبادات بعد ملاحظة الامتناع فلا حاجة إلى معرفته تفصيلا لا يقال فعلى ما ذكر لا حاجة إلى الأمر بالفعل المذكور و النهي عنه إذ المكلف إما أن يفعل ذلك أو لا يفعل و على التقديرين فيفوز بالمصلحة المودعة في الفعل و الترك لأنا نقول لعل وجه الأمر و النهي هو أن يكون الفعل و الترك بداعي الأمر و النهي لحصول الامتثال و ليس المفيد في المقام هو القربة كما زعمه بعض الأجلة بل المفيد هو العنوان الخارج الملازم و القربة إنما هي معتبرة فيه فإن قلت إذا كان ذلك العنوان منهيا عنه كمخالفة الأب و ترك الإجابة و نحو ذلك فيصح ما ذكر من أن الوجه في الأمر و النهي وجودهما بداعي الأمر و أما إذا لم يكن مأمورا به بل و لا معلوما فكيف يحصل معه الامتثال قلت وجود النهي كاشف و لا حاجة إلى العلم بالعنوان تفصيلا فيكفي ترك العبادة من حيث اقترانها بعنوان محبوب واقعا و إن لم لم يعلم به تفصيلا و لا غائلة في ذلك نعم يرد على الجواب المذكور أمران الأول أن قضية ما ذكرنا هو تساوي الصوم و تركه لكونهما مندوبين تخييرا مع أن النصوص و الفتاوى كادت أن تكون صريحة في ترجيح الترك على الصّوم فما أوردنا على الشهيد رحمه الله وارد عليه أيضا و يمكن دفعه بأنه إن أريد من أن النص و الفتوى قاضية بعدم الرجحان في الصوم فهو مما لا سبيل إلى إثباته بل المعلوم خلافه ضرورة كونها عبادة و لا يتحقق بدون الرجحان و إن أريد أرجحية تركه على فعله مع ثبوت الرجحان في الفعل أيضا فلا ينافي ما ذكرنا و يمكن استكشاف الأفضلية أوّلا من الروايات الواردة في مقام الكراهة فإن في بعضها أن إفطارك لأخيك المؤمن أفضل من صيامك تطوّعا و ثانيا أن التعبير بلفظ النهي كاشف عن المرجوحية كما ربما يساعده العرف و الاعتبار أيضا و ثالثا يدل على الأفضلية فعل من يكون الواقع حكاية عن فعله و هم أئمتنا صلوات اللَّه عليهم أجمعين و بالجملة فيكون النهي في هذه المقامات أيضا إرشاديا و لا ضير فيه حيث إنه مختص بمورد الأمر كما هو المفروض فلا ينافي كون النهي عن ذلك العنوان في غير مورد الأمر حقيقيّا لا إرشاديّا الثاني أن مناط هذا الإرشاد ربما يقال بتحققه في جميع العبادات المستحبة مع أفضلية أحدهما عن الآخر و يمكن دفعه بالتزامه فيما إذا كان مثل المقام كان عنوان الأفضل في الخارج عين غير الأفضل كالإفطار مع الصوم و فيما إذا كان أحدهما مقارنا للآخر كالإنقاذ و من هنا تراهم يحكمون بكراهة صوم المدعوّ إلى الطعام مع أن الرواية الواردة فيه هي ما عرفت من أن إفطارك لأخيك المؤمن و بذلك يندفع مناقشة سيّد المدارك على من حكم بالكراهة بواسطة الرواية المذكورة فإن الرواية تدل على الأفضلية دون كراهة الصّوم هذا غاية توجيه المقام المقام الثّالث في تصوير الكراهة في العبادات التي بين عنوان المأمور به و المنهي عنه عموم من وجه فأوجه الوجوه في توجيهه هو الوجه المذكور فيما لا بدل له فيقال إن المكلف مخير بين الصّلاة و تركها في بيوت الظلاّم لا من حيث إن تركها ترك لها بل من حيث إن ذلك الترك محفوف بعنوان التصرف في ملك مشتبه غير معلوم الحال من الإباحة و الغصبية و الأفضلية إنما تستفاد من الوجوه المذكورة فيما سبق و لا يصح الحمل على الأقل ثوابا لما عرفت من لزوم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و ليس التخيير شرعيّا ليكون النهي مستعملا في أكثر من معنى بل هو بحكم العقل كالتخيير بين الإنقاذين و ما ذكرنا هو غاية توجيه أمثال المقام و إلا فالعالم بالسّرائر مطلع على حقائق الأمور و الوقائع هذا تمام الكلام في توجيه اجتماع المكروه مع الواجب أو المستحب بقي الكلام في اجتماع المستحب مع الواجب فنقول لا كلام في امتناع اجتماع الاستحباب العيني مع الوجوب العيني بمعنى أن يكون الشيء بعينه مطلوب الفعل تارة على وجه الحتم و أخرى مطلوبة لا على وجه الحتم على وجه يكون الطلبان قائمين بنفس الطالب و المطلوبية على الوجهين قائمة بالفعل و استحالة ذلك لا ينبغي أن يكون موردا للتأمل فإن قيام الطلبين مع قطع النظر عن الخصوصية المائزة للوجوب و الاستحباب بنفس الطالب يوجب اجتماع المثلين فإن حقيقة الطلب على القول باتحاده مع الإرادة المفسرة باعتقاد النفع كما أفاده المحقق الطوسي في التجريد و غيره راجع إلى العلم و يكون اختلاف الوجوب و الاستحباب حينئذ باختلاف المراد فإن الإرادة حينئذ حقيقة واحدة و لا يكون اختلافها إلا باختلاف الأفراد فوجود فردين منها في فعل واحد يوجب اتصاف محل واحد و هو النفس بفردين من كيفية واحدة و هي الإرادة مضافا إلى لزوم المحذور المذكور أيضا في الفعل أيضا فإن قلت إن المتصف بالمطلوب هو الماهية الذهنية لامتناع اتصاف الماهية الخارجية بالمطلوبية لكونها موجودة و لا يعقل طلب الحاصل