مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٣٦
و لا يلزم عدم الانضباط لوجود المعيار في البين و ليس الأمر بالكلي خلاف اللطف كما عرفت فيما تقدم و لا يلزم اجتماع الأمر و النهي في مورد واحد إذ النّهي الإرشاد من المسوق لبذل النصح و صلاح المسترشد ليس من الطلب الحقيقي المناقض للأمر نعم ذلك لا يتأتى في العبادة التي يعلم بعدم زيادة ثوابها على القدر المترتب على واجبها و لا يعلم بمثلها في العبادات المكروهة و احتمال كون بعضها كذلك لا يجدي للنقض أوّلا إذ مورد النقض ينبغي أن يكون معلوما كما هو ظاهر و هو مدفوع ثانيا بما ستعرف من أن العرف قاض بحمل النهي الوارد في مقام توهم الاستواء على ما ذكرنا من القلة و أمّا ما أورده المحقق القمي رحمه الله على الجواب المذكور من الترديدين من كون الأقل ثوابا مطلوب الفعل أو مطلوب الترك أو مطلوبهما فنحتار الأول قوله فليس بمكروه إن أراد منه المعنى المصطلح عليه فهو غير مفيد و إن أراد منه المعنى الذي حاولناه فهو غير سديد و بالجملة فما ذكرنا في توجيه العبادة المكروهة هو المطابق للنصوص الواردة في مقام كراهة العبادات و بكلمات الفقهاء في بيانها أيضا كاستحبابها و إباحتها و لم نجد موردا ينافي ذلك فعليك بالتأمل في مواردها و التتبع في مطاويها حتى يظهر لك صدق المقال و حقيقة الحال فتدبر ثم إنه لو ظهر رجوع النهي إلى إحدى المراتب المستفادة من الأمر و علمنا به فهو و إلا فعند الشك فهل يحكم بالتحريم و يتبعه الفساد على القول بامتناع الاجتماع أو بالفساد فقط أو بالكراهة بالمعنى المصطلح عليه فيحكم بعدم الصحة على القول بامتناع الاجتماع أو بالكراهة بالمعنى المذكور وجوه أظهرها الثاني لأن الكراهة بالمعنيين خلاف ظاهر النهي و التحريم و إن كان مفاد النهي إلا أن المستفاد من النهي الوارد بعد توهم الصحة المستفادة من الإطلاق هو الفساد كما يستفاد من الأمر الوارد عقيب الحظر غير معناه الحقيقي و لذا لا يحكم بحرمة كثير من المعاملات مع ورود النهي عنها و ليس إلا لتخصيص العمومات الدالة على ترتب الأثر عليها و صحتها و القول بأن النهي كما يمكن أن يكون ناظرا إلى الصحة المستفادة كذا يمكن أن يكون ناظرا إلى الجواز المستفاد من الأمر أيضا يدفعه أن رفع الجواز يلازم رفع الصحة على القول بالامتناع فيكون نظير دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و الأصل قاض بعدم التحريم عرفا كما يستفاد من الأوامر الواردة في مقام الأجزاء و الشرائط الوجوب الغيري اللازم للجزئية و الشرطية مع ظهور الأمر في الوجوب النفسي و حيث إن ظهور الأمر في الصحة لعله أكثر من ظهوره في تساوي الأفراد فلذلك قلنا بأن الكراهة بالمعنيين خلاف ظاهر النهي نعم يصح ذلك فيما لو علم بالإجماع و نحوه عدم الفساد فإن المنساق من النهي حينئذ عدم التساوي في المرتبة المقام الثاني في تصوير الكراهة في العبادات التي لا بدل لها من جنسها كالصوم في السفر بناء على تحريمه المستفاد من قوله صلى اللَّه عليه و آله ليس من البرّ الصيام في السفر و اعلم أولا أن الإشكال في هذه العبادات ليس مختصّا بالمانع من اجتماع الأمر و النهي بل هو وارد على المجوز أيضا حيث إن الكلام منهم أنما هو في الوجوب التخييري العقلي مع عدم انحصار الفرد الواجب في المحرم و مثله المستحب و المكروه أيضا و بالجملة فلا بد أن يكون للمكلف مندوحة في الامتثال على ما هو المصرح به في كلامهم في تحرير محل النزاع و قد أجيب عنه بوجوه الأول ما أفاده الشهيد السعيد في مسالك الأفهام من أن المراد من كراهة الصّوم في السفر أنه أقل ثوابا من الصّوم في الحضر و ظاهره على ما حكي عدم النهي و لو على وجه الإرشاد بل يمكن القول بعدم تعقل الإرشاد فيه حيث إنه لا إرشاد إلى النهي عن الصوم في السفر و الأخذ به في الحضر لاحتمال عدم الاقتدار عليه فهي منفعة عاجلة لا تترك لاحتمال ما هو أنفع منها في الآجل و دعوى اختصاص الن هي بحالة الاقتدار عليه مدفوعة لمخالفتها للنص و الفتوى معا حيث إن ظاهرهما النهي على وجه الإطلاق و لو مع العجز عن تحصيله في الحضر و لذا التزم في محكي الروضة البهية باستعمال النهي في مجرد قلة الثواب فإنه حكم بكراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس عند الانحصار قائلا بأن علة الكراهة موجودة في حال الانحصار فإن ذلك ينافي الإرشاد جدّا كما هو ظاهر و كيف كان فيرد عليه أن ظاهر النصوص خلاف ذلك سيما ما اشتمل منها على لفظ الكراهة كقول أبي جعفر عليه السلام أكره أن أصومه يعني به عليه السلام يوم عرفة أتخوّف أن يكون يوم عرفة يوم النحر و ليس بيوم صوم و قول أبي الحسن عليه السلام بعد السؤال عنه عن اليومين اللذين بعد الفطر أ يصامان أكره لك أن تصومهما فإن التأويل المذكور في مثل هذه الأخبار ربما يقطع بفساده سيما بعد ملاحظة تسمية الصّائم في السفر عاصيا كما في رواية سماعة سألته عن الصيام فقال لا صيام في السفر قد صام أناس على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فسماهم العصاة و يظهر ذلك في الغاية بعد ملاحظة قول أبي الحسن عليه السلام في جواب من سأله عن الصيام بمكة و مدينة من دون قيام فيهما لا تصح فإنه ربما يقطع بفساد التوجيه المذكور فيه مضافا إلى ما عرفت من عدم استقامة إرادة ذلك من النهي من دون طلب الثاني ما أجاب به المحقق القمي رحمه الله فإنه و إن لم يمنع من الاجتماع إلا أن الإشكال فيما نحن فيه وارد عليه أيضا كما عرفت فقال و أما فيما لا بدل له فنقول هي إما مباحة أو مكروهة على ما هو المصطلح عليه فيكون تركه راجحا على فعله بل الثاني هو المتعين هنا لئلا يخلو النهي عن الفائدة فيغلب المرجوحية الحاصلة بسبب الخصوصية على الرجحان الحاصل لأصل العبادات ثم استشهد بترك الأئمة عليهم السّلام لها و نهيهم عنها فإن ذلك خلاف اللطف و أجاب عن لزوم الرجحان في العبادة و حصول القرب بها أما عن الأول فبأنه لم يقم دليل على لزوم الرجحان في جميع خصوصيات العبادة بل يكفي في ذلك ثبوته للماهية و أما عن الثاني فبأن قصد التقرب حاصل بالنسبة إلى الماهية و إن لم يحصل القرب