مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١١٤
في الموضعين و أما الرخصة في الفعل ففي الموسعين أيضا واضح لمعلومية أنه إذا اجتمع واجبان موسّعان جاز للمكلف فعل كل واحد منهما إلى تضايق وقت أحدهما فالنهي الذي يقتضيه الأمر بالموسع موسّع مثل الأمر بمعنى أنه يجوز للمكلف فعل الضد في جميع أزمنة وجوب المأمور به ما لم يتضيق وقته فيتعين الاجتناب حينئذ لذلك يعني لأجل مزاحمة المضيق و الموسع و أما الرخصة في الفعل في المضيقين فلأنه الأصل في تزاحم الواجبين إذ المرجع فيهما التخيير فيفعل المكلف ما شاء و هذا معنى الرخصة في الفعل أي فعل ضد المأمور به المنافية للنهي التضييقي التعييني هذا و يمكن أن يقال بما ذهب إليه جماعة من الأصوليين من أن التخيير في النواهي غير جائز بمعنى أنه ليس حال النهي و الأمر في الانقسام إلى التخيير و التعيين سواء لأنه لا مانع من أن يكون المأمور به أحد هذه الأمور على سبيل البدلية و التخيير كالخصال و لكن المنهي عنه لا يجوز أن يكون كذلك لأن النهي عن أحد هذين الأمرين أو الأمور يستلزم تحريم الجميع و هذا المذهب و إن كان سخيفا مختار المعتزلة إلا أنه يتعين كون محل النزاع ما ذكره إذ الموسّعان و المضيقان لا يكون فيهما نهي على هذا المذهب لعدم جواز النهي عن الضد في وقت ما في الموسّعين أو عن ضد ما في المضيقين و كيف كان فلا إشكال في سريان النزاع إلى سائر أقسام الواجبات من العيني و الكفائي و التخييري و التعييني و النفسي و الغيري و التعبدي و التوصلي و الأصلي و التبعي بمعنى أن المضيق من هذه الواجبات يقتضي النهي عن الموسّع منها سواء كانا متجانسين بأن دار الأمر بين المضيق و الموسع من العيني أو الكفائي و هكذا مثلا أو مختلفين بأن كان المضيق من العيني مثلا و الموسّع من الكفائي أو التخييري و بالعكس فإنه على القول بالاقتضاء و عدمه فهذه الواجبات متساوية الإقدام و لعل إطلاق كلام الفاضل القمي رحمه الله يشملها أيضا و ثانيا بأن حصول النزاع فيما إذا كان الضد من الواجبات الموسعة غير جيد لأنهم يتفرعون على هذه المسألة حرمة السفر و فساد المعاملات مع عدم كونها من الواجبات جدّا فضلا عن كونها موسعين فالتحقيق إرخاء عنان البحث إلى أودية المباحات و المكروهات و المستحبات أيضا لأن اقتضاء الأمر المضيق النهي عن الضد لا اختصاص له بما إذا كان الضدّ واجبا كما لا يخفى و لعل نظره رحمه الله إلى قلة جدوى البحث فيما عدا الواجب الموسع لأن الثمرة المعتد بها هي فساد الضد و لعل الفساد عند الكل أو الجل لا يثبت إلا للضد الذي كان من العبادات لأنهم لا يقولون بفساد المعاملة بمثل هذا النهي المتولد من الأمر و لا بحرمة السفر على وجه يترتب عليه آثار التحريم من الإتمام و الإمساك لكن و مع ذلك يرد عليه أن الواجب الموسع يشمل العبادي و التوصلي مع أن الثمرة المزبورة و هي الفساد غير ظاهرة في التوصلي فكان عليه بعد الإغماض عن خروج المباحات و المكروهات و المستحبات تقييد الموسع بالعبادي و أيضا من مواضع جريان هذا النزاع ما إذا كان المأمور به مضيقا عينيا كالصوم مثلا و الضد مضيقا تخييريّا كما سنبيّنه و من المعلوم خروج هذا عن محلّ النزاع لو خصّص الضد بالواجب الموسع و يدفع جميع هذه المناقشات جعل الموسع في كلامه عبارة عما لا حرج و لا ضيق فيه مثل الضيق الذي في المأمور به لا المصطلح عليه عند الأصولي لأن الموسع بهذا المعنى يشمل المباح في مقابل المضيق بل الموسع أيضا لكن يلزم حينئذ أن يقال بفساد جميع المستحبات في حق من عليه واجب موسع كصلاة الرخصة لأن المستحب سواء كان موسّعا أو مضيقا في مقابل الواجب و لو كان موسعا يصدق عليه أنه موسع زاحم المضيق فيلزم أن يتوجه النهي إلى المستحب فيفسد و لكنه سهل بعد ما عرفت آنفا من أن النهي المتولد من الأمر الموسّع ليس منشأ لشيء من آثار التحريم لأنه نهي تخييري مرجعه إلى أنه إن شاء يفعل و إن شاء يترك إلى أن ينتهي الأمر إلى الضيق المقتضي للنهي العيني المقتضي للفساد ثم إن جهات الضيق في التوسعة على المعنى الذي فسرنا هما به و هو الحق من كون الأول عبارة عن مطلق الحرج و الثاني عبارة عن خلافه يختلفان باختلاف الجهات و الاعتبارات فمن وجوه الضيق و التوسعة أن يكون زمان المأمور به مضيقا و زمان الضد موسّعا و هذا أظهر الوجوهات و أشهرها و مثاله واضح و منها أن يكون المأمور به واجبا عينيا مضيقا بحسب الزمان كالصّوم مثلا و كان الضد أيضا واجبا مضيّقا و لكن كان تخييريّا لا عينيا مثل ما إذا كان على المكلف كفارة الخصال فورا و كان بعض أقسامها منافيا للصّوم الذي فرض وجوبه عينيا مضيقا فإن الأمر بالصوم المزبور يقتضي النهي عن الضد المفروض وجوبه تخييريا إذ يجب على المكلف حينئذ اختيار الفرد الآخر الغير المنافى للصوم من أفراد الكفارة و مثل ما إذا وجب عليه السفر للزيارة بنذر مضيقا و كان عليه إحدى الكفارات على سبيل الضيق أيضا فإنه يجب عليه اختيار غير الصوم من الكفارة بناء على مضادته شرعا مع السفر فالأمر المضيق يقتضي النهي عن المضيق أيضا إذا اختلفا من حيث العينية و و التخييرية و منها أن يكون الضد مستحبا فإن الأمر الوجوبي المضيق يقتضي النهي عن ضده المستحب و لو كان مضيقا أيضا و غير ذلك من الوجوه التي لا يخفى على المتأمل ثم إن التفصيل الذي ذكره بقوله و قد يفصّل مما لا غبار عليه لأنا نقول أيضا إنه إذا تزاحم المضيق و الموسع فالترجيح للأول مطلقا و إذا تزاحم المضيقان فالحكم هو التخيير إن لم يكن أحدهما أهم في نظر الشارع و من وجوه الأهمية غالبا كون أحدهما من حقوق الناس و لكنه ربما يكون الاهتمام في حق اللَّه كحفظ نفس الإمام و بيضة الإسلام أهم في نظر الشارع قطعا و الدليل على التخيير عند التساوي هو أن الحكم بأخذ أحدهما معينا لا بد له من ترجيح و إلا لكان تحكما و ترجيحا بلا مرجح و المفروض مساواتهما في الرجحان و ليس هذا التزام تخصيص في دليل أحدهما لأنا نعلم قطعا ببقاء إطلاق الأمر فيهما معا و لكن الذي يدعونا إلى ترك أحدهما تخييرا هو تعذر