مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٠٠
من هذا القبيل كما ستعرف و توضيح المقام أن الثواب و العقاب من لوازم الإطاعة و العصيان و تحققهما يتوقف على أمور بعضها اختيارية و بعضها غير اختيارية على وجه لو فرض انتفاؤهما أو انتفاء أحدهما لم يتحقق شيء منهما فالأول هو الحركة الصادرة من المكلف التي هي من مقولة الأفعال فإنه لا بد و أن تكون اختيارية مسبوقة بالقصد و اعتقاد النفع فيه كما هو المراد بالفعل الاختياري فلو لم يكن كذلك لم يتحقق عصيان و لا إطاعة و الثاني أمور كثيرة منها تعلق الأمر من المولى إلى الفعل المأمور به و منها تعلق الحركة الاختيارية بما تعلق به الفعل في عنوان الأمر فإن تعلق الشرب بما هو خمر واقعا بمعنى أن يكون متعلق الشرب هو الخمر واقعا من الأمور الاختيارية إلا أنه لا بد من ذلك في تحقق الإطاعة و العصيان و القدر المسلّم من اعتبار الاختيار في التكليف هو أن تكون الحركة اختيارية بل لا وجه لاعتبار الأزيد من ذلك كما هو ظاهر و مما ذكرنا يظهر الجواب عن الاستدلال أيضا فإنا نختار الثالث قولك إن ذلك يوجب إناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار قلنا إن أريد قبح إناطة العقاب بما هو خارج عن الاختيار على وجه الاستقلال بأن يكون جميع ما يعتبر فيه من الأمر الغير الاختياري فهو مسلم لكنه غير لازم في الحكم بالعقاب فيمن صادف قطعه الواقع لأنّ الحركة المتعلقة بما هو متعلق الأمر واقعا اختيارية فلا استقلال و إن أريد قبح استقلاله في الحكم بعدم العقاب فيمن لم يصادف الواقع فهو غير مسلّم إذ بذلك يرتفع موضوع العصيان و العقاب موقوف عليه و إن أريد أن مدخليته ما هو خارج عن الاختيار في الاستحقاق قبيحة فهو ممنوع ضرورة توقف الإطاعة و العصيان الموجبين للاستحقاق على أمور غير اختيارية شيء منها كون متعلق الحركة الاختيارية ما تعلق به الفعل في عنوان الأمر و النهي بحسب الواقع و أما دعوى الإجماع من جماعة على العصيان فلا سبيل إليها في المسائل العقلية و احتمال انكشاف جهة تعبدية من الإجماع مدفوع بأن المسألة من فروع الإطاعة و العصيان التي لا تعقل فيها التعبدية بوجه و لو فرض ورود أمر أو نهي شرعي فيها لا بد من حملها على الإرشاد مضافا إلى مخالفة جماعة من الفحول في ذلك كما عرفت من العلامة حيث حكم بعدم العصيان فيما لو انكشف خطاء ظنه و قال الشهيد ره لو نوى المعصية و تلبس بما يراه معصية فظهر خلافها ففي تأثير هذه النية نظر و تقدم حكاية التوقف عن شيخنا البهائي و مما مر يظهر وجه القول بعدم العصيان إذ يكفي فيه عدم الدليل عليه و أما التفصيل فيظهر من بعض الأجلة التفصيل في صورة القطع بتحريم شيء غير محرم واقعا فيخرج استحقاق العقاب بفعله إلا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فإنه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا أو بعض الموارد نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية فإن قبح التجري عندنا ليس ذاتيا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار فمن اشتبه عليه مؤمن من ورع بكافر واجب القتل فحسب أنه ذلك الكافر و تجري فلم يقتله فإنه لا يستحق الذم على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع و إن كان معذورا لو فعل و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي عليه السلام فتجري و لم يقتله أ لا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له فصادف العبد ابنه و زعمه ذلك العدو فتجري و لم يقتله أن المولى إذا اطلع على حاله لا يذمه على هذا التجري بل يرضى به و إن كان معذورا لو فعل و كذا لو نصب له طريقا غير القطعي إلى معرفة عدوه فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجري و لم يفعل و هذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب بخلاف ما لو ترك العمل به فإن المظنون فيه عدمها و من هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها و هو فيها أشد منه في مندوباتها و يختلف باختلافهما ضعفا و شدّة كالمكروهات و لك أن تراعي في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجري انتهى كلامه و فيه أولا أنه لو سلم قبح الفعل في التجري فلا شك في كونه ذاتيا لا يختلف بالوجوه و الاعتبار فإن منشأ الحكم المذكور على ما نراه غير قابل للاختلاف و كذلك على ما يراه غيرنا من قبح الفعل في صورة التجري فإنه يزعم أن ذلك ظلم في حق من يستحق الطاعة و لا شك في أن موضوع الظلم مما يمتنع عروض جهة محسنة له و ثانيا لو سلم إمكان عروض جهة محسنة فلا إشكال في لزوم كون تلك الجهة من عناوين الأفعال الاختيارية حتى يعقل اتصافها بالحسن فيصير بذلك محسنة للجهة المقبحة و لا ريب في أن ما زعمه معارضا للجهة المقبحة من الأفعال الغير المتصورة للفاعل و هو غير مقصود الوقوع منه فلا يكون اختياريا فلا وجه للمعارضة من من غير فرق في ذلك بين أن يكون عنوان التجري مقتضيا للقبح كالكذب مثلا أو لم يكن كذلك بل يكون من الأفعال التي لا يدرك حسنها و لا قبحها إلاّ بعد ملاحظة لحوق الجهات و العنوانات و إن كان محل الكلام لا بد و أن يكون من الأوّل كما هو ظاهر و بالجملة أن الفعل الذي صادر مورد الانتزاع التجري و هو ترك قتل المؤمن في المثال المفروض في كلامه كفعله ليس من الأفعال الاختيارية المقصودة فلا يتصف بحسن و لا قبح و ما يكون كذلك لا يعقل تصرفه في العنوان الذي فرضنا عدم اتصافه بحسن و لا قبح أو اتصافه بقبح يمكن ارتفاعه بورود جهة محسنة بإيراث حسن فيه أو رفع قبح عنه و لذا اعترف في كلامه في مقامين بأنه معذور لو فعله فإن قلت قد تقرر في الجواب عن الدليل العقلي إنه لا امتناع في تأثيره الأمور الاختيارية في العقاب و عدمه و على هذا فلا مانع من ارتفاع القبح من عنوان التجري بواسطة فعل وقع التجري في ضمنه و إن لم يكن على وجه الاختيار قلت الفرق طاهر بين المقامين من حيث إن مدخلية ذلك الأمر الخارج عن الاختيار في حسن الفعل و قبحه مما لا مناص عنه ا إذ عنوان الحسن هو شرب الخمر الواقعي الذي لا يعقل وجود هذا العنوان و لو على وجه الاختيار إلا بتعلق الشرب