دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ١٧١ - الثاني لا منافاة بين الأمر بين الأمرين وما ورد في بعض الآيات والروايات من إسناد فعل العبد إلى اللّه تعالى وتعليقه على مشيئته
تعالى شأنه في سورة هل أتى { و ما تشاؤُن إِلاّ أنْ يشاء اللّهُ } [١]فانه واقع في ذيل قوله تعالى: { فمنْ شاء اِتّخذ إِلى ربِّهِ سبِيلاً } ، وحيث انه أمر خير أسند ذلك إلى اللّه، وهكذا ما ورد في الحديث القدسي وما مضمونه«بمشيئتي أنت الّذي تشاء».
و بالجملة لا منافاة بين ثبوت الأمر بين الأمرين، وكون نسبة الأعمال من
المعاصي والطاعات إلى المولى وإلى العبد على حد سواء بحسب الدقّة العقلية،
وكون إسناد الطاعة إلى اللّه جلّ شأنه أولى عرفا، وإسناد المعصية إلى العبد
أولى كذلك، ونوضّحه بمثال عرفي، فانه لو أعطى الوالد لولده مالا وبيّن له
طرق التجارة وطرق الملاهي، وأمره بالتجارة ونهاه عن صرف المال في الملهى
وحذّره ذلك، فان صرف الولد المال في التجارة وربح منها يسند الربح إلى
المولى عرفا، ويقال هذا الخير وصل إلى الولد من والده، وأما لو صرفه في
اللهو والخسران يسند ذلك عرفا إلى الولد، ويقال هو خسّر نفسه، ونظير ذلك
إسناد الطاعات إلى المولى الحقيقي والمعاصي إلى العبد، وهذا معنى
الأولويّة.
و اما ما ورد في الأخبار من انّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فلا
ينافي ما اخترناه من الأمر بين الأمرين، فانّ المراد منه الصفات والملكات
النفسانيّة، وكما تختلف القوى الجسمانية في الأشخاص من الباصرة والسامعة
ونحو ذلك، فترى إنسانا لا يقدر على حمل منّ وإنسانا آخر يقدر على حمل وزنة
أو أكثر، وقد سمعنا بمن كان قادرا على حمل عشرين وزنة، كذلك يختلف الأشخاص
من حيث المحامد والرذائل النفسيّة، فنرى إنسانا يكون في ذاته كريما أو
سخيّا أو شجاعا ونرى الآخر بخيلا لئيما، وربما تتبدّل تلك الصفات
بالرياضات.
فقد يكون الإنسان قريبا من الطاعات والخيرات وترى الآخر قريبا من
[١]الإنسان-٣٠.