عدة الأصول - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٩٩
فاما قوله: " ان كان خطاء فمنى " [١] فيمكن لما أن يكون لانه جوز أن يكون هناك ما هو أولى من الظاهر من دليل يخص، أو رواية تقتضيه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ما سئل منه يخالف قضيته، أو غير ذلك مما يكون العدول إليه اولى. على انهم يقولون: " كل مجتهد مصيب "، فيلزمهم السؤال عن قوله: " أن كان خطأ فمني "، وكيف نسب نفسه إلى الخطأ وهو مجتهد ؟ فلا بد لهم من الرجوع إلى تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى لظفر به، وما جرى مجرى ذلك. ومتى تأملت جميع المسائل التي حكي عنهم اضافة القول فيها إلى رأيهم وجدت لها مخرجا في الظواهر وطرقا تخالف القياس ! فاما قولهم: " ولو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم لما صح منهم الرجوع من رأى إلى اخر، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه خطأ وصوابا ". فمن بعيد ما يقال، وذلك ان الرجوع عن المذاهب وادلتهالا يدل على القول فيها بالقياس والظن، لان ذلك قد يصح فيما طريقه العلم والادلة، الا ترى ان القائل بالجبر قد يعدل عنه إلى العدل، وكذلك قد يعدل عن القطع على عقاب الفساق من اهل القبلة إلى القول بالارجاء [٢]، وسائر مسائل الاصول ذلك ممن فيها، فليس التنقل من رأى إلى اخر
[١] راجع المصادر الواردة في هامش رقم
[٢] صفحة ٦٦٦.
[٢] الارجاء اما ان يكون مشتقا من الرجاء بمعنى الامل، أو من الارجاء بمعنى التأخير، والمرجئة فرقة قالت: لا يضر مع الايمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وان الايمان قول بلا عمل، فكأنهم قدموا الايمان وأرجئوا العمل، وخلاصة القول: انهم يذهبون إلى أن اصحاب الكبائر إذا ماتوا غير تائبين فإن حساب اعمالهم مرجو ومؤخر ليوم القيامة، وانهم لا يحكمون عليهم بالنعوت والصفات في الدنيا، فلا يحكمون عليهم بالفسق، أو الكفر، وانهم مؤمنون أو فاسقون، أو فاسق، أو من اهل النار، والجنة، بل يرجئونه الى الاخرة. والمرجئة على اصناف وفرق عديدة. وقد اختلف ارباب الملل والنحل في مبدع هذه الفكرة، والرأي السائد عند المحققين أنها من الفرق التي أبدعتها السياسة الاموية لتبرئة جرائمها والموبقات، ولاراء المرجئة تأثيرات كبيرة بعيدة المدى في اصول الدين عند المذاهب السنية لا زالت باقية. (*