عدة الأصول - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٩٥
له من حافظ معصوم لا يجوز عليه الغلط ؟ وإذا كان لابد من ذلك على مذهبكم فمتى اندرست الشريعة أمكن الرجوع إليه فيها فلا يحتاج إلى نبى اخر. قيل له: نحن انما نوجب حافظا للشرع معصوما إذا علمنا ارتفاع الوحى وانقطاع النبوة، ونحن نعلم ان التواتر لا يمكن حفظ الشرع به، لانه يجوز أن يصير احادا، فإذا لابد لها من حافظ معصوم، وليس كذلك في الشرائع المتقدمة لانه لا يمتنع أن تكون تلك الشرائع محفوظة بالتواتر، فمتى فرضنا انها صارت احادا وبحيث لا ينقطع عذر المكلفين بنقلها بعث الله تعالى نبيا اخر يبينها ويستدركها، هذا إذا فرضنا بقاء التكليف بالشريعة الاولة على من يجيئ فيما بعد. فاما إذا فرضنا انه يجوز أن يكون التكليف للشريعة الاولى إذا صارت احادا قد ارتفع ووجب التمسك بما في العقل، فان ذلك لا يجب أيضا معه أن يكون لها حافظ ولابعث [١] نبى اخر، وكان يجوز ايضا ان يتعبد باخبار الاحاد إذا صارت الشريعة إلى حد لا ينقل الا من جهة الخبر الواحد، وكل ذلك مفقود في شريعتنا، لان الوحى قد ارتفع، والرسالة قد انقطعت، والتكليف باق إلى يوم القيمة، والعمل بخبر الواحد غير صحيح على ما بيناه فيما مضى، فلو لم يكن لها معصوم، والتواتر يجوز أن يصير احادا، كان ذلك يؤدى إلى ان الشرع غير محفوظ اصلا، وذلك لا يجوز. واستدل من خالفنا على صحة قوله باشياء [٢]. منها: انه لو لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم لم يذكى قبل بعثته، ولا يأكل اللحم المذكى، ولا كان يحج ويعتمر، ولا كان يركب البهايم ويحمل عليها، لان جميع ذلك يحسن سمعا، وفي علمنا بأنه كان يفعل ذلك دليل على صحة ما قلناه. وهذا لا يلزمنا على ما قررنا من مذهبنا في هذا الباب [٣]، لانا قلنا: انه قبل بعثته
[١] بعثه.
[٢] لاحظ استدلال المخالفين ودفاعهم عن اقواهم في المصادر التالية: " المعتمد ٢: ٣٣٧، الذريعة ٢: ٢٥٩، المستصفى ١: ٢٤٦، ميزان الاصول ٢: ٦٩٤، الاحكام للآمدي ٤: ٣٣٧، شرح المنهاج ٢: ٥١٦ ".
[٣] انظر كلام المصنف في بداية هذا الفصل في صفحة ٥٩١. (*