شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٨
والبدنية كالذكر والصوم والصلاة ونحوها ومنها مجالسة الفقراء ومحبتهم ومؤاكلتهم وتقديمهم في الطرق والمجالس ومنها لين القول وحسن المعاشرة والرفق بذوي الحاجات، ومنها الشكر عند حدوث النعمة ودفع النقمة، ومنها الابتداء بالسلام وترك المراء. وأما المدايح الواردة فيه فهي كثيرة في القرآن والسنة كقوله تعالى لسيد المرسلين وأشرف الأولين والآخرين: * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) * وقوله تعالى: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * وقول النبي (صلى الله عليه وآله): " إن التواضع يزيد صاحبه رفعة فتواضعوا يرفعكم الله " (١) وأما حقيقة الكبر فهي هيئة نفسانية تنشأ من تصور الإنسان نفسه أكمل من غيره وأعلى رتبة منه، وتلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس من ذلك تصور، من النفخ والهزة والتعزز والتعظم والركون إلى ما يتصوره من كمالها وشرفها على الغير ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أعوذ بك من نفخة الكبر " (٢) وهي رذيلة تحت الفجور تقابل التواضع وإن تصور الإنسان فضيلته على الغير مع قطع النظر عن قياس نفسه إلى متكبر عليه وعن إضافة تلك الفضيلة إلى الله تعالى باعتبار أنها منه ولم يكن خايفا من زوالها بل كان ساكنا إليها مطمئنا فذلك هو العجب فإذن العجب هيئة نفسانية تنشؤ عن تصور الإنسان فضله واستقطاعه عن المنعم به والركون إليه والفرح به مع الغفلة عن قياس نفسه إلى الغير بكونه أفضل منه، وبهذا القيد يمتاز عن الكبر إذ لابد في الكبر أن يرى الإنسان لنفسه مرتبة وللغير مرتبة ثم يرى مرتبته فوق مرتبة غيره وإن تصور فضيلته على الغير وأضافها إلى الله سبحانه باعتبار أنها منه فهو نوع من الحمد كما يدل عليه قوله تعالى * (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * وأما أسباب الكبر فهي أضداد أسباب التواضع أعني عدم العلم بعظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه وقهره على جميع الممكنات، وعدم معرفة نفسه وشدة احتياجه وافتقاره إليه سبحانه في جميع الأحوال، ولست أعني بعدم العلم بهذه الامور عدم تصورها والغفلة عنها بالمرة فإن كثيرا من الجبابرة والمتكبرين ينسبون أنفسهم إلى العلم بها، بل أعني عدم استقراره وتمكنه في قلوبهم وعدم لصوقه بها كعدم لصوق الماء بريش الأوز والبط. ١ - الكافي كتاب الايمان والكفر باب التواضع تحت رقم ١. ٢ - ما عثرت على اصل له الاعلى ما اخرجه ابن ماجه في كتاب (اقامة الصلاة باب الاستعاذة في الصلاة) رقم ٨٠٧ في حديث: " اللهم اني اعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " وقال عمرو: همزه الموتة، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر، انتهى، والموتة نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال العقل كالسكران. (*)