شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٣
عين افتقاره حينئذ لا تنفتح إلا إليه ويد اضطراره لا تتحرك إلا بين يديه ولا ملجأ له سواه حتى يكله عليه، واعلم أنه يحتمل أن يراد بالفقر والغناء ما هو المعروف بين الناس وهو أن يجد من متاع الدنيا ما يعيش به ويسد خلله ويقيم أمره ويكمل نظامه ويصون وجهه وأن يفقد ذلك ويحتمل أن يراد بهما الغنى والفقر الاخرويين وقد شاع إطلاقها عليهما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الغنى والفقر بعد العرض على الله سبحانه " (١) يعني هما يتبينان يوم القيامة ويتحققان بعد العرض على الله سبحانه وبعد الفراغ من الحساب والفقير في ذلك اليوم من تحير في خسارة نفسه وحرم من كرامة ربه والغني من تحلى نفسه بالأخلاق والكمالات واستحق الفوز بالسعادات والكرامات ونظر إليه ربه بعين الرحمة والغفران وأنزله أعلى درجات الفردوس وأشرف منازل الجنان، وهذا الاحتمال أقرب من الأول لأن الفقر بمعنى الافلاس في الدنيا سهل لأنه ينقطع شدائده بالموت بخلاف الفقر والافلاس في الآخرة فإنه يوجب الهلاك الدايم والشقاء الأبد (ومعزه من غير عشيرة) المعز من العز خلاف الذل أو خلاف الضعف بمعنى القوة والشدة، والمعنى وكان الله معزه في الآخرة بالثواب الجزيل أو في الدنيا بالذكر الجميل والمدح الجليل وبافاضات الأسرار الغيبية وكشف الحقائق العينية، والثاني أنسب بقوله " من غير عشيرة " لأن العشيرة وهي القبيلة المتأكدة بينهم العشرة والصحبة توجب العز في الدنيا. (يا هشام نصب الحق لطاعة الله) نصب إما على البناء للمفعول أي اقيم الحق يعني الدين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل طاعة الله في أوامره ونواهيه، ولو تركت الطاعة صار الحق موضوعا والدين مخفوضا وهو يوجب زواله بالكلية وإما على البناء للفاعل لكن بحذف الفاعل أو استتاره أي أقام الله تعالى الحق يعني الدين لطاعته، وهذا قريب مما ذكر بحسب المعنى أو بحذف المفعول، والمراد بالحق هو الله تعالى أي أقام الله تعالى خلقا أو دينا لطاعته في الأوامر والنواهي وإما على المصدر والمراد بالحق الدين كما في الأول أي إقامة الدين الحق بتحقيق لطاعة الله بفعل ما أمره وترك ما نهاه (ولا نجاة إلا بالطاعة) أي لانجاة من الشدايد الأبدية والعقوبات الاخروية على سبيل الحتم والجزم إلا بطاعة الله وانقياده وأوامره ونواهيه أو الحصر إضافي بالنسبة إلى المعصية، وعلى التقديرين لا ينافي ذلك حصول النجاة في بعض الأحيان بالعفو والغفران كما دل عليه بعض الأخبار وآيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه لانجاة للإنسان من الظلمات البشرية والهويات الناسوتية في عالم الأجسام وعالم الأشباح ولا يحصل لهم الترقي إلى مشاهدة الأنوار الربوبية والأسرار اللاهوتية في عالم المجردات، وعالم الأرواح إلا بالطاعة إذ هي مرقاة للإنسان في البلوغ إلى ١ - النهج أبواب الحكم تحت رقم ٤٥٢. (*)