شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٧
والمطلوب نفي شريك البارئ وهو كما يثبت بدلائل عقلية ونقلية توجب انتقال النفس من معقول صرف إلى معقول، وإذعانها بها كما مر من الآيات والبينات الظاهرة، كذلك يثبت بالأمثال الجزئية المحسوسة لأنها تكشف الممثل له وترفع الحجاب عنه وتبرزه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم والعقل ويتفقا عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة الوهم لأن الوهم من طبعه الميل إلى المحسوس وحكاية المعقول به، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء وكتب المصنفين مشحونة بذكر الأمثلة الجزئية لأن أكثر الافهام قاصرة عن إدراك حقيقة الشئ إلا في مادة مخصوصة محسوسة * (مما ملكت إيمانكم) * يعنى عبيدكم وإمائكم (من شركاء) " من " زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي * (فيما رزقناكم) * من الأموال * (فأنتم فيه سواء) * متفرع على الشركة وحمله على الاستفهام الإنكاري محتمل أيضا * (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) * حال عن " أنتم " أو عن ضمير المخاطبين في " رزقناكم " أي والحال أنكم تخافون من شركة مماليككم في أموالكم واستبدادهم بالتصرف فيها، كما يخاف الأحرار بعضها من بعض في ذلك، والاستفهام ليس محمولا على الحقيقة لأنه على الله سبحانه محال فوجب صرفه إلى المجاز وهو إما إنكار أن يكون مماليكهم شركاؤهم في ملكهم لينتقلوا من ذلك إلى أنه لا ينبغي أن يكون مملوكه سبحانه شريكا له بالطريق الأولى أو تقريرهم وحملهم على الاقرار بما يعرفونه من عدم شركة المماليك لأن الاستفهام عن أمر معلوم للمخاطب يستلزم حمله على الأقرار بما هو معلوم له أو استبعاد أن يكون مماليكهم شركاؤهم لأن الاستفهام عن الشئ يستلزم به وهو يناسب استبعاد وقوعه، لأن ما هو قريب الوقوع شانه أن يكون معلوما والمقصود على التقادير كلها هو أنه إذا لم يكن مماليككم مع نقصانكم وشدة حاجتكم شركاءكم فيما لكم من أموالكم، مع أنهم مثلكم في الصورة والسيرة وقابلية التصرف لا يكون مماليك الحق جل شأنه مع شدة ضعفهم وكمال نقصهم شركاءه في الإلهية واستحقاق العبادة مع كمال قدرته ونهاية عظمته وعدم المشابهة بينه وبينهم بالطريق الأولى. (كذلك) أي مثل ذلك التفصيل التمثيل الذي يرفع الحجاب ويكشف المعاني ويوضحها * (نفصل الآيات) * الدالة على وحدة الصانع واستحقاقه للعبادة دون غيره * (لقوم يعقلون) * أي يستعملون عقولهم الصحيحة في تدبر الأمثال ومعرفة حسن موقعها ومضربها والانتقال منها إلى المقصود، وفيه دلالة واضحة على شرف العقل وتعظيم العقلاء حيث جعل العقل باعثا لتفصيل الآيات في الكتاب والعاقل مقصودا من التكلم والخطاب لأنه ينتفع به دون غيره فلو لم يكن عقل ولا عاقل لم يكن تفصيل ولا خطاب بل لم يكن كون ولامكان ولا إيجاد ولا زمان.