شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٧
والتهمة وغيرها وإنما كان كف الأذى من كمال العقل لأن العاقل يعلم أن الغرض الأصلي من الخلق هو الوصول إلى جناب عزته والطيران في حظاير قدسه بأجنحة الكمال مع الملائكة المقربين وأن ذلك كما يتوقف على عبادة الرحمن كذلك يتوقف على كف الأذى من الإخوان، فكما أن صرف الهمة في العبادة من كمال العقل كذلك صرف النفس عن الأذى، وأما المؤذي فهو بمنزلة البهائم والسباع، عار عن حلية العقل ويعلم أيضا أن ترك الأذى يوجب التعاون والتعاطف والتراحم والتواصل والتظاهر والتواخي والتآلف والتودد والاجتماع، وكل ذلك مما يقتضيه كمال العقل ويعلم أيضا أن ترك الأذى يدل على حلمه وأناته ورفقه وإشفاقه وعلمه بعواقب الامور وهي من آثار العقل، ويعلم أيضا أن إيذاء المسلم نقصان في الدين أو خروج منه لقوله (عليه السلام): " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (١) فلذلك يتركه طلبا لكماله وأنه من كمال العقل ولا تفاوت في هذا الحكم بين كف نفسه عن أذى الغير أو كف غيره عن أذى أحد (وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا) لأن الدنيا والآخرة دار المكافاة فمن ترك الأذى سلم عن الآفات أما الآخرة فلقوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * وقوله تعالى: * (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) " بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد " (٢) وقوله " يوم المظلوم على الظلم أشد من يوم الظالم على المظلوم " (٣) إلى غير ذلك من الآيات والروايات، وأما الدنيا فلقوله (عليه السلام) " من سل سيف البغي قتل به، ومن حفر بئرا لأخيه وقع فيها " (٤) ولأن المظلوم إن كان ذا قوة فقد ألقى المؤذي نفسه إلى التهلكة وإن لم يكن ذا قوة أضمر العداوة وينتهز الفرصة لا يقاع المكروه به كما هو المعلوم من أحوال أبناء الزمان، وأيضا قد يرفعه الدهر وليس ذلك من الدهر ببعيد فالمؤذي دائما في معرض الهلاك وقد يقال: الناس إما كاملون أو ناقصون والناقص نقصانه إما بحسب الدنيا أو بحسب الاخرة والنقصان بحسب الاخرة إما بحسب العمل أو بحسب العلم والنقصان بحسب الدنيا إما في الجاه والعزة أو في المال والثروة، والكامل من حقه أن ينفع غيره أو يدفع الضرر عنه فصارت الأقسام ستة أربعة من جهة النقص وإثنان من جهة الكمال فقوله (عليه السلام) " مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح " إشارة إلى الناقص من جهه العمل المفتقر إلى من يدعوه إلى الصلاح وقوله: " وآداب العلماء زيادة في العقل، إشارة إلى الناقص في العلم المفتقر إلى التعلم وقوله: " وطاعة ولاة الأمر تمام العز " إشارة الناقص بحسب الدنيا ١ - النهج أبواب الخطب تحت رقم ١٦٥ أو لها " ان الله تعالى أنزل كتاب هاديا ". ٢ - و (٣) و (٤) النهج أبواب الحكم تحت رقم ٢٢١ و ٢٤١ و ٣٤٩. ٣ - ٤ - (*)