شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٧
قلبك أنه يراك وهذه المرتبة مقام المراقبة وهي أوسط منازل المقربين ومع ذلك تكون خايفا خاشعا متضرعا راجيا إلى رحمته لعلك تكون من المفلحين، وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أن قبول الأعمال وصلاحها وكمالها وطهارتها ونموها إنما هو بالعقل الكامل المتأمل في عظمة الله وقدرته وسطوته وسلطنته وغلبته على جميع الممكنات، وأما الجاهل المغرور المطيع للنفس وهواها الغافل عن أوامر ربه ومقتضاها فهو عبد لئيم، وعمله ساقط هابط سقيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. (يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل) لأن الإنسان مدني بالطبع وله ميل إلى بني نوعه في التأليف والتودد والاستيناس بهم والمشاركة معهم في طلب المعاش وساير ما يحتاج إليه فإذا ترك ذلك كله لعلمه بأنه يوجب منقصة في دينه وضعفا في يقينه وآثر الوحدة على الكثرة ورجح الفرقة على الالفة للتحرز عن مشاركتهم في أفعالهم الشنيعة وأطوارهم الدنية علم أنه قوي في العقل والتدبير في أمور الآخرة لأن ذلك من آثار العقول الكاملة (فمن عقل عن الله) أي فمن عرف الله وعرف ذاته وصفاته وما يجوز له وما يمتنع عليه وأحكامه وشرايعه وأحوال الآخرة وشدة فاقة الناس وكثرة احتياجهم إليه يوم القيامة الذي يشتغل فيه الأبرار بأنفسهم فضلا عن الأشرار (اعتزل عن أهل الدنيا والراغبين فيها) وهم الذين يؤثرون الدنيا وزهراتها ويبذلون الجهد في اقتنائها وادخار ثمراتها كما هو المشاهد من أبناء الزمان الذين يجيبون دواعي النفس في منازل الطغيان ويقتفون آثارها ويسمعون وساوس إبليس في مراحل العصيان ويطأون أدبارها كما هو المعلوم من أرباب الفسوق والكفران، وفيه دلالة على شيئين أحدهما أن الاعتزال إنما للعاقل العالم بمعالم دينه وأما الجاهل فاللايق بحاله أن يخالط الناس ويشتغل بطلب العلم فإن أمكنه في بلده وإلا فليطلبه في بلد آخر كما قيل: " اطلبوا العلم ولو بالصين " (١). الثاني: أن الاعتزال مطلوب عن أهل الدنيا وأهل العصيان لاعن أهل الآخرة، فإنهم أولياء الله وأنصاره في دينه، والتوصل بهم يوجب الاستنارة بنورهم والاستضاءة بضوئهم (ورغب فيما عند الله) من الخيرات والأنوار الإلهية والاشراقات العقلية والا بتهاجات الذوقية والترقيات الروحية، إلى غير ذلك مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا بأس أن نشير إلى العزلة وأقسامها وشئ من فوائدها ومنافعها إذ ذكر جميع فوائدها متعذر لأنها ذوقية حاصلة لأرباب العزلة بعد الممارسة في مدة طويلة لمجاهدات شديدة فنقول: ١ - ظاهر كلام المؤلف أنه من كلام غير المعصوم لكن رواه العقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب من حديث عائشة، وابن عبد البر وفي العلم من حديث أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله). (*)