شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٣
غافلين عن البدلية وسنشير إلى توضيح ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. (فلما رأى الجهل ما أكرم الله به العقل) من تصفيته بنوارنية الذات وتقويته بكثرة الجنود وشرائف الصفات التي بنضارتها تشرق قلوب العارفين، وبإنارتها تضئ صدور السالكين، وبإضائتها يسيرون إلى أعلى المقامات وينالون أشرف الكرامات (أضمر له العداوة) بين العقل والجهل تضاد بحسب الذات لأن العقل جوهر نوراني والجهل كدر ظلماني (١) وهذا يصلح أن يكون منشأ لعداوته. ولذلك كانت العداوة بين العاقل والجاهل والمؤمن والكافر قائمة إلى قيام الساعة كما قال سبحانه * (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) * ولكن لما كان النور والظلمة متساويين في الغلبة والتدافع كأنه لم يحصل للجهل من هذه الجهة عداوة، وإنما حصلت العداوة على من جهة إكرام العقل بالجنود وتقويته بالفضايل والكمالات الموجبة لغلبته على الجهل فلذلك أضمر الجهل عداوة له حسدا ولم يظهرها لعدم القدرة على إمضاء آثارها بل طلب لنفسه مثل جنوده في القوة والعدد كما أشار إليه بقوله (فقال الجهل يا رب هذا خلق مثلي) أي مثلي في كونه مخلوقا، أو مثلي بحسب الذات ولا مزية له علي في المحاسن الذاتية وهذا القول منه على الأخير تمويه واغترار بنفسه، كما هو شأن الجاهل حيث يعد نفسه مماثلا للعاقل وهو إما غافل عن التفاوت الفاحش بين النور والظلمة أو عالم به لكنه قال ذلك إدعاء واستنكافا لانحطاط ذاته عن ذات العقل وإلا فأين المماثلة بحسب الذات بين المخلوق من ماء الرحمة والنور الرباني وبين المخلوق من نار الغضب والبحر الاجاج الظلماني ولعدم الفرق بينهما استكبر الشيطان لعنه الله وأبى أن يسجد لآدم (عليه السلام) وتمسك بقوله * (خلقتني من نار وخلقته من طين) * وهو لقصر نظره لاحظ طينية آدم وغفل عن نورانيته ولو علم ذلك لعلم بطلان قياسه. (خلقته وكرمته وقويته) يعني خلقته من نورك وكرمته على جميع خلقك وقويته بجنود يتقوى بها في الحركة إلى عالم الانس والانتقال إلى عالم القدس (وأنا ضده ولاقوة لي به) في المضادة والمقابلة والانتقال إلى ما هو غاية مرامي ونهاية مقامي في اللذات التي عاينتها والحركة إلى أقصى مدارجها (فأعطني من الجند مثل ما أعطيته) في العدد والقوة، طلب ذلك ليحصل له قوة بسبب جنوده على معارضة العقل وجنوده فيتيسر له الوصول إلى غاية منيته ونهاية بغيته (فقال: نعم) ١ - بناء على ما ذكره الشارح من أن الجهل هو النفس باعتبار عدم تنوره بنور العقل فلا يستبعد نسبة اضمار العداوة والقول وخطاب الله تعالى له إليه ولا يجوز أن يتوهم أن الجهل عدم والعدم لا ينسب إليه هذه الأمور (ش). (*)