شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣١
أشد وذمهم به أبلغ من لوم من تركه تجاهلا أو بلا علم، ولذلك ورد أن عقوبة العالم إذا لم يعمل أعظم من عقوبة الجاهل (١). السادس: أنه بقوله يقول لهم افعلوا وبفعله يقول لهم لا تفعلوا فقد أتى بالمتناقضين والعقل يأباه. ثم المراد بالآية حث الواعظ على تزكية نفسه وتهذيبها والاقبال عليها بتقديسها وتكميلها ليقيمها أولا ثم يقيم غيره ولذلك كان بعث الأنبياء بعد تكميل نفوسهم القدسية، لامنع الفاسق عن الوعظ كما زعم، لأنه مأمور بشيئين أحدهما ترك المعصية والثاني منع الغير منها والاخلال بأحد التكليفين لا يوجب الاخلال بالآخر، ودلالة الآية على النهي عن الجمع بينهما وتحريمه غير مسلمة لجواز أن يكون النهي راجعا إلى نسيان النفس مطلقا لا إلى نسيانها منضما إلى الأمر بالمعروف ويشعر بذلك قوله (عليه السلام) وقال: " وتنسون أنفسكم " حيث رتب الذم عليه ولم يذكر صدر الآية، وفيه دلالة أيضا على جواز الاستشهاد ببعض الآية إذا كان تام الفائدة فيفهم جواز ذلك في الحديث بالطريق الأولى. (يا هشام ثم ذم الله الكثرة فقال: وإن تطع أكثر من في الأرض) في عقايدهم وأقوالهم وأعمالهم * (يضلوك عن سبيل الله) * إذ الحق له سبيل واحد لا يسلكه إلا العارف العالم الراسخ في علمه وورعه وهو قليل جدا وأما الباطل فله طرق متكثرة يسلكها أكثر من في الأرض على مطايا الغواية والجهالة ومراكب الغباوة والضلالة ويدعون إليها من اقتفى آثارهم وتتبع أطوارهم ولا يأمرونه إلا بما فيه هواهم ولا يرشدونه إلا إلى مقاصدهم ومناهم، كما دل عليه قوله تعالى * (كل حزب بما لديهم فرحون) * والآية كما دلت على أن إطاعة الأكثر سبب للضلالة كذلك دلت على أن مخالفتهم سبب للهداية وعلى هذا لا يجوز متابعة الأكثر إلا إذا كان هناك دليل على حقيتهم فالمتبع حينئذ هو الدليل دون الكثرة من حيث هي ولا يجور التمسك في الأحكام بمجرد الشهرة وكثرة القائلين بها ولا تأييدها به والله أعلم. (وقال ولئن سألتهم) أي الذين يعبدون غير الله سبحانه * (من خلق السموات والأرض ليقولن الله) * أي ليقولن خلقهن الله فحذف المسند بقرينة سؤال محقق. والدليل على أن المرفوع فاعل والمحذوف فعله أنه جاء عند عدم الحذف في مثل هذا الكلام كذلك كقوله تعالى * (ولئن سئلتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) * وقوله تعالى * (قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) * ويحتمل أن يكون المرفوع مبتدأ والمحذوف خبره أي الله خلقهن ليطابق السؤال في الاسمية ولأن السؤال عن الفاعل لا عن الفعل وتقديم ١ - راجع باب " لزوم الحجة على العالم وتشديد الامر عليه " فيما يأتي من كتاب العلم. (*)