شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٠
من مكامن المواد الجسمية ومنازل الظلمات البشرية ومظاهر الجهالات الطبيعية إلى عالم المجردات النورية ومنازل الشواهد الربوبية (فأقبل) مطيعا لأمره منقادا لحكمه تاركا لمعصيته متدرجا في الصعود من طور إلى طور حتى صار عقلا فعالا وترقى حتى مرتبة عين اليقين وهناك رجع إلى ما نزل منه وانتهى إلى ما بدأ منه وقد مر مثل هذا الحديث وشرحه في صدر كتاب العقل إلا أن بينهما مغايرة في الجملة لأن الأمر بالاقبال في السابق مقدم على الأمر بالادبار، وهنا بالعكس فإن كانت القضية في الخطاب متعددة فالأمر واضح والا ففيه إشكال اللهم إلا أن يقال: كان في الواقع أمر الاقبال ثم أمر بالادبار ثم أمر بالاقبال ففي الحديث السابق لم يذكر الأمر بالاقبال بعد الأمر بالادبار وفي هذا الحديث لم يذكر الأمر بالاقبال قبل الأمر بالادبار ومن مجموعهما يستفاد ما كان في الواقع فليتأمل (فقال الله تعالى) تعظيما وتكريما له وحثا له على أداء شكر هذه النعمة الجليلة. (خلقتك خلقا عظيما) العظيم الحقيقي ليس إلا الله سبحانه وأما غيره فعظمته باعتبار قربه منه وإطاعته لأمره وقد تحقق هذان الوجهان في العقل (وكرمتك) أي شرفتك وفضلتك ومنه * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (على جميع خلقي) فيه أن العظمة والشرافة والفضيلة من باب التفضل منه تعالى من غير اشتراط القابلية والاستعداد وإن العقل أشرف من الملائكة المقربين (قال ثم خلق الجهل) ليس المراد بالجهل هنا الجهل المركب أعني الصور العلمية الغير المطابقة للواقع ولا الجهل البسيط أعني عدم العلم عما من شأنه العلم لأن إطاعته وعصيانه غير متصورة فلا يلائم قوله: (فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي) ولأن الجهل بهذيبن المعنيين من جنود الجهل المذكور هنا وجند الشئ غيره، ولأن الجهل بالمعنى الثاني أمر عدمي والاعدام غير مخلوقة سواء كانت سلوبا محضة أو ملكات بل المراد به مبدء الشرور والمقابح كما أن المراد بالعقل مبدء الخيرات والمحاسن ويمكن أن يراد بهذين المبدأين صفة النفس المسماة بالقوة الجاهلة وصفتها المسماة بالقوة العاقلة وأن يراد بهما ذات النفس أي الجوهر المجرد المدبر للبدن المحتاج في فعله وتصرفه إليه وذات الجوهر المستغني عن البدن في وجوده وفعله (١) الذي إذا حصل لغيره وأشرق نوره فيه كان ذلك ١ - ذات الجوهر المستغني عن البدن عبارة عن العقل المفارق الذي يقول به الحكماء وأنه الموجود الأول مستغن عن البدن في ذاته وفعله وهو الذي يشرق نوره على النفوس فتصير عاقلة باشراقه وإذا نظر إليه من حيث هو كان جوهرا قائما بذاته وكان عقلا ومعقولا وهذا مبدء الخيرات وأما مبدء الشرور فهو النفس أي الجوهر المجرد المدبر للبدن المستغني عن البدن ذاتا والمحتاج إليه في أفعاله ومثل أمير المؤمنين (عليه السلام) إشراق العقل على النفوس وتسلطه عليها واتصالها به حديث رواه الصدوق في علل الشرايع عنه (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال خلقه ملك له رؤس بعدد الخلائق من خلق ومن يخلق إلى يوم القيامة ولكل رأس وجه ولكل آدمي رأس من رؤس العقل واسم ذلك الإنسان على وجه ذلك الرأس مكتوب وعلى كل وجه ستر