شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٤
الروحانيين) الجار والمجرور إن كان خبرا بعد خبر أي هو أول خلق وهو من الروحانيين فأفاد الكلام أن العقل يعني الجوهر المجرد الإنساني (١) أول المبدعات ومقدم على غيره من الممكنات كلها في الفطرة والإيجاد، ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله) " أول ما خلق الله العقل " وإن كان بيانا لخلق أو صفة أو حالا عنه أفاد أنه أول خلق بالنسبة إلى الروحانيين وأما أنه أول خلق بالنسبة إلى غيره من الممكنات كلها فلا إلا إذا ثبت تقدم الروحانيين على سائر الممكنات في الايجاد وثبوت ذلك خارج عن مفاد هذا الكلام، فما قيل: من أن فيه دلالة على أن العقل هو المبدع الأول بالحقيقة وعلى الاطلاق دون غيره من الممكنات لأنها بتوسطه فمدفوع أما أولا فلأنه لادلالة فيه على تقدم العقل على غيره على الاطلاق إلا في بعض الاحتمال الذي هو أبعد الاحتمالات فلا يتم بذلك ما ادعاه، وأما ثانيا فلأنه لادلالة فيه على أن غير العقل من الممكنات صدر منه تعالى بتوسط العقل وهو ظاهر بل لا يبعد القول ببطلان ظاهر هذا الحكم لأن بناء ظاهره (٢) على تخليط الفلاسفة وهو أن أرسطو ومن تابعه ١ - " الجوهر المجرد الانساني " إعلم أن الموجود إما روحاني ليس له مقدار بالذات وإما جسماني له طول وعرض وعمق والقسمة حاصرة دائرة بين النفي والاثبات واصطلحوا على تسمية الأول بالمجرد وهو المراد بالروحاني إذ هو المقابل للجسماني في الاصطلاح واختلف الناس في تقدم الروحاني على الجسماني أو العكس فذهب الملاحدة وأصحاب الطبائع والدهرية إلى الثاني وقالوا أن ما يسمى روحا ليس إلا فرعا على الجسم متأخرا عنه وأثرا من آثاره كالحرارة والبرودة، فإن بطل الجسم بطل الروح وليس هنا موجود مدرك عاقل مستقل بنفسه غير حال في الجسم وعلى قول هؤلاء فلا عقل ولا نفس ولا ملائكة ولاجن ومن مات فات وبطل وفنى وذهب الإلهيون والروحيون إلى أن المجرد مقدم على الجسم وليس الروح العاقل المدرك أثرا وفرعا على الجسم بل هو مستقل بنفسه ومقدم في الوجود عليه لأن الجسم الجامد محتاج إلى الموجود المجرد وليس الموجود المجرد محتاجا إلى الجسم، والجسم مركب من المادة والصورة وحفظ المادة بالصورة وحفظ الصورة بالموجود المجرد الروحاني وفتح الله على عقول الناس وهم في هذا العالم الأدنى بابا إلى عام التجرد وهو الرؤيا الصادفة والإلهامات فإذا رأى شيئا. من الأمور الغائبة المستقبلة مما لا يمكن أن يستنبطه الإنسان بعقله ولم يوجد بعد ثم وقع كما رأى دل ذلك على وجود عالم عقلي مدرك يعلم ما سيقع في المستقبل ويتصل روح الإنسان في المنام بموجودات ذلك العالم نحوا من الاتصال ويدرك بعض الأمور والعقل الذي هو أول خلق من الروحانيين ليس إلا الموجود العاقل في ذلك العالم والحديث يدل على أن العقل أول خلق من الروحانيين، والروحانيون مقدمون على الجسمانيين فالعقل أول الخلق مطلقا. ولا يتصور أن يعتقد أحد أن الجمادات أقرب إلى الله تعالى من الروحانيين كما سيصرح به الشارح (ش). ٢ - قال ببطلان ظاهر هذا الحكم لاحقيقته لأن الذي يتبادر إلى ذهن أكثر الناس من أمثال هذه العبارات التفويض أي تفويض الله تعالى أمر الخلق إلى العقل الأول نظير تفويض المولى تدبير ملكه إلى بعض خدامه وهذا باطل جدا، وليس مراد من قال به ذلك قطعا وليس توسط العقل إلا كتوسط الاسباب كما يشفي الله المريض بالدواء ويرسل الرياح فتثير السحاب بها ويمطر من السحاب فيحيي به أرضا ميتة = (*)