شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٧
حياة موت، الحياة الأولى للنفس تعلقها بهذا البدن وتصرفها بهذا النحو من التعلق والتصرف المعلومين، وموتها انتقالها من هذا البدن وانقطاع تعلقها وتصرفها فيه. الحياة الثانية ابتهاجها بكمالاتها وصفاتها وأعمالها وأخلاقها المرضية الموجبة لقرب الحق جل شأنه، وموتها فقدها لتلك الكمالات والأعمال والأخلاق وتحيرها في ظلمات أضدادها، والعاقل يعلم قطعا أن الحياة الاولى حياة مجازية لسرعة انتقال النفس عن البدن وقلة مدتها، وأن الاحتياج إلى زهرات الدنيا التي هي سبب لهذه الحياة إنما هو بقدر بقائها في تلك المدة القليلة وإن الزائد على ذلك وبال عليه وتضييع للغمر فيما لا يحتاج إليه، ويعلم أن الحياة الثانية حياة حقيقية أبدية لعدم انصرامها أبد الآبدين وإن سبب هذه الحياة الأبدية هي الحكمة وقد عرفت تفسيرها آنفا فيرضى مع الحكمة الموجبة للحياة الأبدية بالدون من الدنيا والقليل منها الذي هو سبب للحياة المجازية (ولم يرض بالدون من الحكمة) وقليل من العلم والمعرفة (مع الدنيا الكثيرة) الزائدة التي لا يحتاج إليها في بقاء الحياة الدنيوية، فأولئك اشتروا الأشرف بالأخس والأعلى بالأدنى حيث استبدلوا الحكمة التي قال الله تعالى في وصفها * (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) * بما لا يحتاجون إليه من فضل الدنيا واختاروها عليه (فلذلك ربحت تجارتهم) ضمير الجمع باعتبار إرادة الجماعة من الجنس وإسناد الربح وهو الفضل على رأس المال إلى التجارة وهي طلب الربح بالبيع والشري إسناد مجازي لأن الربح حقيقة للتاجر إلا أن التجارة لما كانت متعلقة بالتاجر ومتلبسة به وسببا للربح أسند الربح إليها اتساعا. وفيه حث بليغ على الزهد في الدنيا وزهراتها إلا القدر الذي له مدخل في البلغة والحياة فإن زهراتها مع عدم الاحتياج إليها شاغلة للفكر مانعة للقلب عن التوجه إلى حضرة القدس، باعثة لشدة الحساب، مقربة إلى العقاب، محركة للآمال، منسئة للآجال، مذهبة للعبادة وحلاوتها داعية للنفس الأمارة إلى شقاوتها، وحض عظيم على طلب الحكمة (١) فإن السعادة في الدارين والتفاضل في النشأتين إنما تحصل بها بل هي عين السعادة العظمى والغاية القصوى والفضيلة الكبرى، بها يتم نظام الدين، ويحصل قرب رب العالمين، والوصول إلى أعلى منازل المقربين، ولذلك أمر الله سبحانه حبيبه وصفيه بعد تشرفه بشرف الرسالة وتحليه بلباس الكرامة فقال: عز شأنه وجل برهانه " قل ١ - سبق أن الحكمة - وهي العلم باحوال الموجود على ما هو عليه بقدر الطاقة البشرية - علم مرغوب فيه شرعا وهي تشمل الحكمة النظرية من الطبيعي والرياضي والالهي والحكمة العملية كل ذلك بالدليل واما التقليد وهو أخذ الشئ من غير دليل من غير المعصوم فمذموم والضلال يحصل من ترك التمسك بالثقلين فقط فكما ضل بعض الفلاسفة لتلك العلة فقد ضل أقوام لم تكونوا عارفين بالحكمة أصلا (ش). (*)