شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٧
وتخمينا وجدليا كما في أكثر المتكلمين (١) الذين وضعوا لأنفسهم دلائل على هذه الامور واستحسنوها وكل ذلك لا يوجب الخوف من الله سبحانه والخشية من عذابه، أما التقليد فظاهر لأنه لم يحصل لهم من الحقيقة الإلهية إلا الاسم ومن حقيقة الأحكام الشرعية وأركانها وشرائطها إلا الرسم، ومن أحوال الآخرة وشدايد أهوالها إلا اللفظ، والخوف منوط بادراك حقائق هذه الامور، وأما القياس فهو أيضا ظاهر وكذا تخمين المتكلمين على أن أكثرهم القائلين بالفاعل المختار ينكرون السببية في الممكنات (٢) ويجوزون مغفرة الكافر الشقي ومعاقبة المؤمن السعيد فلا يحصل لهم خوف وخشية، وإذا انتفى الخوف انتفى العمل وكماله والجد فيه، وأما العلماء الراسخون الآخذون علومهم من مشكاة النبوة فهم يعلمون الحقائق كما هي وصفات الواجب وما يجوز له وما يمتنع عليه وأحكام الدين وأركانها وشرائطها وأحوال الآخرة وشدائد أهوالها كأنهم يشاهدونها ويعلمون أن الله تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة وأن ما يرجع إليهم من الخير والشر فهو من نتايج نفوسهم ولوازم أخلاقهم وتبعات أعمالهم (٣) وأفعالهم فيخافون من الله عز شأنه غاية الخوف كما قال سبحانه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * فلا جرم يعملون في الدنيا للاخرة ويسعون لها غاية السعي ١ - ذم التقليد وهو الأخذ من غير دليل وذم الكلام أيضا وهو الأخذ بدليل جدلي أو ظني فبقى أن يكون الدين مستندا إلى دليل برهاني أو كشف عرفاني. (ش) ٢ - هذا مذهب أكثر المتكلمين وهم الأشاعرة وأتباعهم من غيرهم فإنهم ينكرون التسبيب يقولون مثلا ليس النار علة للحرارة ولا الماء للبرودة ولا الشمس للنمو ولا السموم للقتل وهكذا ولكن عادة الله جارية بالاحراق عند ملامسة النار وغير ذلك. وهذا مذهب باطل بل جعل الله لكل شيئ سببا لا يجاوز والفاعل المختار بالارادة الجزافية غير حكيم والله تعالى حكيم فلا يفعل شيئا بالارادة الجزافية، فإن قيل قد صرح صاحب التجريد نصير الدين الطوسى (قدس سره) والعلامة وغيرهما بأنه تعالى فاعل مختار فيكف يخطئه الشارح مع انه مذهبنا قلت الفاعل المختار عند متكلمي الشيعة ومن يعتد بقوله منهم ويؤخذ العلم عنه ويقول ما يقول عن تدبر وبصيرة، وما يكون مقابل الفاعل المضطر والفاعل بلا شعور فإن صدور الفعل عن الله تعالى ليس كصدور النور عن الشمس بلا شعور مضطرا ولا يريدون أن فعله تعالى كفعل الإنسان المختار بفكر وروية تارة يختار هذا وتارة يختار ذلك في ظرف وأمد ولا يخفى أن مثل هذا الكلام من الشارح وغيره من الحكماء صار منشأ، لأن ينسب إليهم القول بان الله فاعل موجب وهذا من قلة التأمل والشارح مع تصريحه هنا بالقدح في الفاعل المختار صرح في كلامه كثيرا بالقادر المختار كما مر وكل بمعنى. (ش) ٣ - هذا أيضا متفرع على ما سبق من التسبيب فلا يفعل الله تعالى شيئا في الدنيا والآخرة إلا باسبابها ولا يكون ارادته ارادة جزافية وليس فاعلا مختارا بالمعنى الذي يفهمه بعض المتكلمين فكما أن سبب نمو النبات في الدنيا البذرو الماء والحر والشمس ولا ينبت الحنطة من بذر الشعير كذلك ثواب الآخرة مسبب عن ملكات النفوس واخلاقها وما رسخت فيها من الصفات بالاعمال الصالحة والسيئة (ش). (*)