شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٧
غيره وأخس رتبة منه، ثم الاذعان به إذعانا جازما لا يشوبه شئ من الشكوك والأوهام. وأما أسبابه فهي معرفة عظمة الله وجلاله وكبريائه وقهره وغلبته على جميع الممكنات ومعرفة نفسه وشدة احتياجه وكمال افتقاره إليه في جميع الأحوال ويكفي في حصول تلك المعرفة التأمل في قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم انكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون، ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين) * فإنه إذا تفكر فيه علم أنه كان في الأصل عدما صرفا ولم يكن له في الوجود خبر ولا في العين أثر ولم يكن شيئا مذكورا، ثم خلقه الله سبحانه من أكثف الأشياء وهو التراب ثم من أخبثها وهو النطفة كما كان في الكتاب مسطورا، ثم بد له من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، ومن نشأة إلى نشأة حتى جعله ذا صورة محصلة وقوة ناطقة وروح باصرة وآلات سامعة ولامسة إلى غير ذلك مما له دخل في استكمال تلك الصورة ثم نقله من رحم الام إلى رحم الدنيا ورباه صغيرا وكبيرا وجعله سقيما وصحيحا وغنيا وفقيرا وقويا وضعيفا إلى غير ذلك من الأحوالات المتبادلة والصفات المتضادة التي هي خارجة عن قدرة البشر، ثم يميته ويقبره ويصيره جيفة منتنة، يهرب منه الحيوان، ويتنفر منه أوثق الإخوان، فتبلى أعضاؤه وتتفرق أجزاؤه حتى يصير ترابا كما كان أول امره ثم إذا شاء أنشره فيقوم من مرقده ناظرا إلى أحوال موحشة وأرض مبدلة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وحبال سايرة وكتب طايرة وصراط وميزان وحساب وملائكة غلاظ شداد إلى غير ذلك من أحوال القيامة وعقباتها وعقوباتها التي يطير من هولها قلوب العارفين وإذا عرف هذه الامور حق المعرفة علم أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مضطر ذليل عبد مملوك لا يقدر على شئ وأنه متلبس بالعجز والانكسار ومتصف بالمسكنة والافتقار وأنه بعيد عن الاتصاف بالبطر والكبرياء والفخر والخيلاء لعمله بأن الكبرياء لا يليق إلا بذاته تعالى لأن الكبرياء تابع لكمال الذات وكمال صفاتها وأفعالها وجميع ذلك حاصل له تعالى أما الأول فلأن كمال الذات عبارة عن كمال وجودها ووجوده تعالى أتم الوجودات وأشرفها لاقتضاء الذات إياه وأما الثاني، فلأن جميع صفاته حاصلة له بالفعل بحيث لا يكون له وصف منتظر أزلا وأبدا، وأما الثالث فلأنه يصدر عنه تعالى وجود كل موجود عداه بلا مشقة ولا حركة ولا آلة فأذن علم أن المستحق للعظمة والكبرياء ليس إلا هو وهذا معنى التواضع وحقيقته وأما لوازمها فهي كثيرة جدا لأن تلك الحقيقة إذ انبعث من القلب وجرى في جداول الأعضاء والجوارح رشحاتها تنبت منها أنواع أشجار الفضائل منها العبادات القلبية