شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٣
" لا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب " (١) وإما بالجسد فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض الشنيعة والأمراض الردية طول السهر وسوء الاغتذاء ويعقب ذلك رداءة اللون وسوء السحنة وفساد المزاج والقوى (والسلامة في الدين) من الآفات النفسانية والوساوس الشيطانية (فليتضرع إلى الله عز وجل في مسئلته بأن يكمل عقله) أي علمه أو جوهره المجرد القابل (٢) له وفيه دلالة على أن العقل موهبة الهية وعطية ربانية لا يزداد ولا يكمل إلا بعنايته، وعلى أنه سبب للأمور الثلاثة المذكورة أما للثاني فلان العاقل الكامل يعلم أن الحسد لا ينفعه بل يضره وأنه صفة موجبة للمقت من الله جل شأنه لعلمه بأن الحاسد مضاد لارادته لأنه تعالى هو المتفضل للكل وهو المفيص للخير إلى كل أحد بما يليق به ويصلح له فيعلم أن كلا من الإعطاء والمنع وقع على وفق الحكمة والمصلحة فيطمئن قلبه بقسمة ربه، وأما للثالث فلأن العاقل يعلم بنور عقله طريق الحق وكيفية سلوكه إلى حضرة القدس ويعلم آفات الدين وكيفيته اجتنابه عن تلك الآفات ويعمل بمقتضى عقله الصريح وذهنه الصحيح فيتم له بهذين العلمين مع العمل نظام الدين وكمالاته، ويسلم عن مفاسده وآفاته. وأما للأول فلما أشار إليه بقوله (فمن عقل قنع بما يكفيه) لأن العاقل إذا نظر إلى جلال الله وآثار ملكه وملكوته وإلى أحوال الآخرة وما فيها من المقامات العالية واللذات الروحانية وإلى ما حصل له عجالة من الأنوار العقلية والفيوضات القلبية وإلى أن كماله فطام النفس عن الشهوات ونزع القلب عن الأماني والشبهات وترك ما يمنعه من التوجه إلى الآخرة من الزهرات وخلو السر عن النظر ألى الدنيا وما فيها من المقتنيات استحقر الدنيا وما فيها ورجع بالكلية إلى حضرة الحق وما في الآخرة من المقامات فيقنع من الدنيا بقدر الكفاف وبما يقيم به بدنه وقواه ويقدر به على الإقامة بالطاعات إذ التعرض للزايد على ذلك لقصور العقل وضعف اليقين وفتور النيات وخلو النفس عن المعارف النورانية وإلفها بالمحسوسات وانفتاح عينها إلى الأمور الدنيوية والصور الوهمية واحتباسها في الظلمات وغفولها أن الدنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ليجده شيئا فيضيع سعيه ويزداد عليه الندامة والحسرات (ومن قنع بما يكفيه استغنى) بما يكفيه عن الزايد أو بالآخرة عن الدنيا أو بالحق عن الخلق من رضي بالقوت وتوكل على الحي الذي لا يموت لم ١ - رواه الكليني في الكافي كتاب الايمان والكفر باب الحسد. ٢ - يعني نفسه والنفس الناطقة جوهر مجرد قابل للعلم كما سبق والقول المقابل لذلك هو ان النفس والعقل قوة جسمانية حالة في الدماغ ويلزمه ان يضمحل بالموت وفساد الدماغ كالنور يفنى بفناء الدهن وهو قول الملاحدة والزنادقة وربما يتفوه به غير البصير من المنتحلين إلى الإسلام والملحد المتظاهر بالدين. (ش) (*)