شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥١
عند الوقوف على معارفه والعكوف على نواهيه وأوامره فمن ورد في مكان المعارف والأحكام ولم يتواضع له تعالى فقد فقد مطيته للحركة إليه والنزول بين يديه فيبقي تائها متحيرا في ذلك المكان أو يرجع مدبرا بتطاول الأعادي وإغواء الشيطان. وقيل تحقيق هذا الكلام: أن لكل شئ طبيعة متوجهة إلى غايتها وله مادة حاملة لقوتها واستعدادها نحو كمال هي بمنزلة الراحلة (١) له ومادة العقل هي النفس وكل مادة تستعد لكل صورة كماليه فانما تستعدها لكونها في نفسها خالية عن الفعلية والوجود الذي من جنسها وإلا لم تكن قابلة فكذلك النفس ما لم تصر موصوفة بصفة التواضع والفقر لم تصر مطية للعقل الذي هو الصورة الكمالية التي بها تصير الأشياء معقولة للانسان فليتأمل وفي صدر هذا الكلام استعارة مصرحة وفي آخره تشبيه بليغ (وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه) ارتكاب المنهي عنه من آثار الجهل وعلاماته وقد شبهه بالمركوب لأن الإنسان بسببه يتقلب في عالم اللذات الجسمية وينتقل إلى أسفل السافلين كما أنه بالتواضع لله وانقياد أحكامه والعمل بها يتقلب في عالم المجردات ويرتقى إلى أعلى عليين، ففي الكلام استعارة مصرحة وذكر الركوب ترشيح وقيل في بيان هذا الكلام أن جميع المناهي امور محسوسة ولذات جسمانية واشتغال النفس بها يوجب تقيدها بالصور الجسمية فيحجب العقل عن إدراك الصور العقلية لأنها تضاد تلك الصور، وينبغي أن يعلم أن العقل إما مستقيم أو راجع أو مقيم والاستقامة بأن يسير إلى أعلى عليين ومركبه التواضع، والرجوع بأن يسير إلى أسفل السافلين ومركبه المناهي، والاقامة بأن يقف في هذا العالم ويشتغل بالمباحات، وهذا وإن كان مذموما من حيث أنه مفوت للمقصود ولكنه غير مذموم من حيث أنه لم يشتغل بالمناهي وغير ممدوح من حيث أنه لم يتصف بالتواضع فلذا لم يذكره (عليه السلام) واقتصر على الأولين لأن المدح والذم إنما يتعلقان بهما وينبغى أن يعلم أيضا أن الجهل عند العترة (عليهم السلام) هو ارتكاب المناهي وإن كان المرتكب لها عالما بل هو عندهم في الحقيقة أجهل والذم المتعلق به أشنع وأكمل فمن ادعى كونه عالما عاقلا واختار الدنيا وشهواتها وآثر الزهرات الفانية ولذاتها فهو مفتون بالضلالة وملتبس بلباس الجهالة. التجسم إلى التجرد وان النفس في هذه المرتبة مجردة (ش). ١ - الممكن قسمان أحدهما ما يتغير عن حاله ويطلب كمالا آخر كالبذر يصير نباتا، والثاني مالا يتغير وجميع ما يمكن له من الكمال حاصل من اول خلقته والقسم الاول يحتاج إلى مادة بها يستعد لقبول الكمال كما ثبت في الحكمة والإنسان قابل للكمال فله مادة ومادته النفس الهيولانية وهي جسمانية إذا المراد به النفس المنطبعة لا النفس المجردة والنفس المنطبعة عقل بالقوة لا بالفعل. (ش) (*)