شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٨
رب زدني علما " ولو كان شئ أعظم من العلم لأمره بطلب زيادته. (يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا) وهي المباحات (فكيف الذنوب) الموبقة المورثة لخزي الوبال وشدايد النكال، فإنهم تركوها بالطريق الاولى وأعلم أن أمور الدنيا على تكثرها مندرجة تحت الأحكام الخمسة، لأنها إما حرام أو حلال، والحلال إما واجب أو مندوب أو مكروه أو مباح، والمراد بالفضول هو الأخيران، وبالذنوب هو الأول وأما الواجب وهو تحصيل القدر الضروري الذي لا يمكن التعيش والبقاء بدونه، والمندوب وهو الزائد على ذلك مما يتوسع به الرجل على نفسه وعياله على حد القانون الشرعي الذي يسمونه كفافا فليس بمذموم بل هو واجب أو مستحسن عقلا ونقلا، إذا تبين ذلك فنقول: العقلاء تركوا فضول الدنيا لالأنها مذمومة إذ لا ذم فيها بل لغاية تنزههم ونهاية تقدسهم وكمال حراستهم صرف العمر فيما يشتغل القلب عن ذكر الله تعالى ومشاهدة عظمته وجلاله ومخافة أن ينجر ذلك إلى الحرام كما قال (صلى الله عليه وآله) " لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس " وذلك مثل الاجتناب عن التحدث بأحوال الناس لمخافة أن ينجر ذلك إلى الغيبة، وإذا تركوا الفضول لهذه الامور تركوا الذنوب الموجبة للعذاب المهين، والبعد عن رحمة رب العالمين، المحركة للنفس إلى أسفل السافلين، والداعية لها إلى الخسران المبين (وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض) الجملة حالية وهي كالتأكيد للسابق والدليل عليه، لأن ترك فضول الدنيا إذا كان من باب الفضل والكمال دون الفرض وترك الذنوب والاجتناب عنها من باب الفرض الذي يطلب به النجاة عن عقوبات الدنيا والآخرة فهم إذا ارتكبوا ما ليس بفرض ارتكبوا ما هو فرض قطعا وإنما قال: وترك الدنيا، ولم يقل: وترك فضول الدنيا للتنبيه على أن غير الفضول وهو القدر الضروري ليس من الدنيا في شئ لأن المقصود منه حفظ النفس والاستعانة به على العمل للآخرة في طلبه عبادة كما روي " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله " (١) والعبادة لاتعد من الدنيا (٢). (يا هشام إن العاقل نظر) بعين البصر والبصيرة (إلى الدنيا وإلى أهلها) الطالبين لزهراتها، ١ - الكافي ج ٥ ص ٨٨ رقم تحت ١. ٢ - جميع ما عدهنا من مناقضات العقل هي من آثار الوهم وما عد من علائم العقل هو من مناقضات الوهم وعليك بالتأمل فيها بعد ما ننبه عليه انموذجا ومثالا فحب المال والجاه والتجمل والرياسة وأمثال ذلك مما يسمى بالدنيا انما هو من الوهم والوهم حس يدرك به المعاني الجزئية كما يدرك الغنم وحشة من الذئب وعداوة فيه يبعثه على الفرار منه والأم تدرك محبة للولد تبعثها على إرضاعه وحضانته وأهل الدنيا يدركون في أنفسهم محبة للمال والجاه يبعثهم على الخيانة والفساد والسعي في جمع المال من أي وجه كشهوة تجرهم من غير اختيارهم إلى شئ يضرهم (ش). (*)