شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٧
أولى لأن من شرائط النصيحة أن يكون للمنصوح قوة سامعة وبصيرة قلبية فإذا انتفت إحداهما أو كلاهما فالإعراض عنها حري ولذلك ترى الطبيب الحاذق إذا علم استيلاء المرض وعدم قبوله للعلاج يعرض عنه، قيل: هذه الآية تدل على أن السمع أفضل من البصر لأنه قرن ذهاب العقل بذهاب السمع لا بذهاب البصر فالسمع أفضل ويرشد إليه تقديمه فيما قبل أيضا ويدل عليه أيضا قوله تعالى: * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع) * فجعل السمع قرينا للقلب، والمراد به العقل دل على أنه أفضل، وقوله تعالى: * (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) * فإنهم جعلوا السمع مثل العقل سببا للخلاص عن السعير، وقيل: البصر أفضل من السمع لأن آلة القوة الباصرة هي النور وآلة القوة السامعة هي الهواء، والنور أشرف من الهواء فالبصر أفضل من السمع، ولأن البصر يرى ما فوق سبع سماوات والسمع لا يدرك ما بعد عنه على فرسخ فكان البصر أقوى، ولأن محله الوجه وهو أشرف الأعضاء وللطرفين مؤيدات وتزئيفات لا يناسب المقام ذكرها. (وقال أم تحسب) " أم " حرف عطف في الاستفهام ولها موضعان، أحدهما: أن يكون متصلة بما قبلها وهي تقع دائما معادلة لألف الاستفهام ولا تستعمل بدونها تقول: أزيد في الدار أم عمرو وتعلم أن الكائن فيها أحدهما وتطلب التعين والمعنى أيهما فيها، وشرطها أن يكون أحد المستويين يليها والآخر يلى الهمزة بلا فصل، والثاني: أن يكون منقطعة عما قبلها خبرا كان أو استفهاما تقول في الخبر أنها لابل أم شاة يافتى، وذلك إذا نظرت إلى شخص فتوهمته إبلا فقلت ما سبق إلى وهمك، ثم أدركك الظن أنه شاة فانصرفت عن الأول وقلت أم شاة بمعنى بل أشاة إلا أن ما يقع بعد " بل " يقين، وما بعد " أم " مظنون، وتقول في الاستفهام: هل زيد منطلق أم عمرو يافتى، إنما أضربت عن سؤالك عن انطلاق زيد وجعلته عن عمرو والمعنى بل عمرو منطلق، إذا عرفت هذا فنقول: " أم تحسب " عطف على قوله تعالى " أفأنت " في الآية المتصلة به في القرآن العزيز وهي قوله تعالى: * (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) * والاستفهام الأول للتقرير والتعجيب، والثاني لإنكار الفاعل، والثالث لإنكار الفعل و " أم " ههنا ليست متصلة لإنتفاء الشرط المذكور، بل هي منفصلة إضراب عن الأول إلى ما هو أشد مذمة منه حتى حق بالاضراب عنه إليه، والمعنى بل أتحسب * (أن أكثرهم يسمعون) * آيات القرآن والحجج المنزلة للتحدي بها * (أو يعقلون) * معانيها الدقيقة ولطائفها الخفية وحقايقها الجلية وفيه قطع لاهتمامه بشأنهم وطمعه بايمانهم وخص الأكثر بالذكر لأن منهم من عرف الحق وآمن به، ومنهم من عرفه وأنكره عنادا أو استكبارا أو خوفا على فوات الرياسة * (إن هم إلا كالأنعام) * وفي عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من الآيات وعدم تدبرهم