شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٣
الطلق (١) بامه فأزعجه أشد إزعاج واعنفه حتى يولد وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه في الرحم إلى ثديي امه وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء وهو أشد موافقة له من الدم فيوافيه في وقت حاجة إليه وحين تولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للغذاء فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن دقيق ا لامعاء لين الأعضاء حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين عليه ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكل ذلك علامة الذكر وعزه الذي يخرج به من حد الصبى وشبه النساء، وإن كانت انثى يبقى وجهها نقيا من الشعر ليبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه، واعتبر أنه لو لم يجر إليه ذلك الدم وهوالرحم لزوى وجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه لبقي في الرحم كالموؤد في الأرض، وفي ذلك هلاكه وهلاك امه، ولو لم يوافقه اللبن بعد الولادة لمات جوعا، ولو لم يطلع عليه الأسنان في وقتها لامتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيم على الرضاع فلا يشتد بدنه ولا يصلح للعمل مع أن ذلك يمنع امه عن تربية غيره من الأولاد بل عن امورها مطلقا، ولو لم يخرج الشعر من وجهه في وقته لبقي شبيها بالصبيان والنساء فلم يكن له جلالة ولا وقار، وكذا إذا اعتبر في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، وفكر في أن الطعام يصير إلى المعدة فتطحنه وتبعث بصفوه إلى الكبد منه في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها (٢) وذلك أن الكبد رقيقه لا يحتمل العنف ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهياة لذلك بمنزلة المجاري التي للماء حتى يطرد في الأرض كلها، وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفايض قد اعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، وتأمل في حكمة التدبير في تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء منه في مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، وفكر في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للإرب والحاجة، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعى، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، واللسان للتكلم. والحنجرة لتقطيع الصوت وتحصيل الحروف، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وفكر في سائر الأعضاء والقوى ومنافعها وأعمل فكره فيها ووجد كل شئ قد قدر لشئ على صواب وحكمة وتقدير وتدبير يعجز العقل عن معرفة تفاصيلها، علم أن له خالقا عالما قديرا عليما ١ - الطلق وجع الولادة والمخاض. ٢ - أي يقرحها ويثخنها. (*)