شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٢
(يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله) أي ليعرف العباد ويعلموا بتعليم الرسل وتفهيمهم من الله مالا يعلمون من عند أنفسهم أو ليؤدي الرسل عنه ما لزمه من هداية عباده وإرشادهم إلى دين الحق من عقلت عن فلان إذا أديت عنه ما لزمه (فأحسنهم استجابة) أي أحسن العباد أو أحسن الرسل استجابة لله تعالى بالطاعة والاجتهاد والصبر والانقياد وكذا ضمير الجمع في الفقرات الآتية يحتمل الأمرين إذ كما أن درجات العباد متفاوتة كذلك درجات الرسل كما نطقت به الآيات والروايات الكثيرة (أحسنهم معرفة) بالله وآياته وغيرها من مصالح الدنيا والآخرة، وذلك لأن حسن الاستجابة تابع لحسن المعرفة فكلما زاد حسن الأصل زاد حسن الفرع (وأعلمهم بأمر الله) يعني أحسنهم معرفة بأحكامه وشرايعه (أحسنهم عقلا) لأن حسن العلم والمعرفة تابع لحسن العقل (وأكملهم عقلا) يعني أحسنهم عقلا وإنما عبر عنه بذلك للتفنن وللتنبيه على أن حسن العقل بكماله في العلم بالموجودات والاحاطة بالمعقولات (أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة) لأن تفاوت الدرجات فيهما غاية أخيرة للامور المذكورة وتفاوت الغاية في الكمال والنقصان باعتبار تفاوت ذي الغاية فيهما وهذا الحديث على ما قررناه من باب القياس المفصول النتايج ينتج أن أحسنهم استجابة أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة (١) وفيه مدح عظيم للعقل حيث جعله أصلا لجميع الخيرات ومبدء للتفاضل في الدرجات كما يظهر ذلك بالتأمل الصادق لأنه جعل كمال الدرجات في الدنيا والآخرة الاستجابة كما يقتضيه مضمون النتيجة، وجعل كمال الاستجابة تابعا لكمال المعرفة وكمال المعرفة تابعا لكمال العقل فيفهم منه أن العقل أصل لجميع الكمالات ومبدء للتفاضل في الدرجات. (يا هشام إن لله على الناس حجتين) أي دليلين (حجة ظاهرة) مشاهدة (وحجة باطنة) مستورة (فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول) لما خلق الله جل شأنه النفوس البشرية واسطة بين النجدين، مستعدة لسلوك الطريقين طريق الخير وطريق الشر. قابلة للضدين من الصفات الشريفة والسمات الرذيلة مايلة إلى اكتساب الحسنات متشوقة اقتراف السيئات لما فيها من اللذة الحاضرة والمنفعة الظاهرة وأيدها بالقوى الشهوية والغضبية وغيرها من القوى الطبيعية الداعية إلى الشر الناهية عن الخير كانت النفوس لذلك ولما يوحى إليها إبليس وجنوده من الشر أقرب ومن الخير أبعد فالله سبحانه أخذ باعهم برحمته في تيه الضلالة بتبيين المنهج وتعيين الحجج، فجعل عليهم حجتين إحديهما ظاهرة والاخرى باطنة، أما الظاهرة فهم الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام) لأنهم أنوار ساطعة في بلاده وبراهين ظاهرة في عباده يدعونهم إلى ١ - والعاقل اكثر ثوابا في الآخرة كما يأتي ان شاء الله تعالى (ش). (*)