شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٠
مدارج الزهد ونهاية مناهج التقوى، فيمشي على بساط الحق في الآخرة والأولى. وإلى العاقل كيف عظمه وكرمه حيث جعله مخاصبا بهذا الوعظ الشريف والخطاب المنيف تنبيها على تمامه وكماله وإنافة رتبته وحاله وعلى أنه ينتفع به دون غيره ممن صار لقوة جهله وضعف عقله ذليلا وفي عدم صلاحية الخطاب كالأنعام بل هو أضل سبيلا. (يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون) أي خوف الذين لا يستعملون عقولهم في الاتعاظ بأحوال الماضين والاعتبار من استيصالهم للشرك وارتكاب المعاصي والقبايح ولا يتبعون الرسول فيما جاء به من التوحيد والصفات وغيرهما من المعارف والشرايع. (عقابه) بتدمير أمثالهم وإنزال الرجز عليهم من السماء ليمتنعوا عن الأعمال الشنيعة والأفعال القبيحة فقال عز وجل * (ثم دمرنا الآخرين) * بعد تنجية لوط وأهله إلا أمرأته فإنها كانت من الغابرين، وكيفية تدميرهم أنه اقتلع جبرئيل (عليه السلام) قريتهم لسوء صنيعتهم بجناحه من سبع أرضين ومعه من الملائكة ميكائيل وإسرافيل وكروبيل، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حولها حجارة من سجيل * (وإنكم) * يا أهل مكنة أو أهل الضلالة * (لتمرون) * في متاجرتكم ومسافرتكم إلى الشام * (عليهم) * أي على منازلهم فإن قريتهم وهي سدوم بفتح السين في طريقه بين القدس والكرك * (مصبحين) * أي داخلين في الصباح * (وبالليل) * أي بالمساء يعنى داخلين في هذا الوقت أو نهارا وليلا. قال القاضى وغيره: لعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحا والقاصد لها مساء * (أفلا تعقلون) * أي أفليس لكم عقل تعتبرون به وتعلمون أن تدميرهم وإهلاكهم لمعصية ربهم ومخالفة رسولهم لكى تطيعوا ربكم وتتبعوا رسولكم فيما جاء به من التوحيد والشرايع وتتركوا الشرك والمعصية وتنجوا من وبال الدنيا ونكال الآخرة، والإنكار للتوبيخ على عدم استعمالهم العقول في الاعتبار والاستبصار بمثل هذه الآية الجلية الدالة على وخامة حال أهل المعصية وقال * (إنا منزلون) * من الانزال على القراءة المشهورة وقرأ ابن عامر بالتشديد * (على أهل هذه القرية) * هي سدوم قرية قوم لوط (عليه السلام) وهذا خطاب الملائكة معه بدليل قوله تعالى قبله * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) * وإنما قدم التنجية على التعذيب لوجوه سنحت لي، الأول: أن التنجية من آثار الرحمة والتعذيب من آثار الغضب وقد سبقت رحمته غضبه. الثاني: أن بشارة أحد بالنفع العايد إليه أدخل في السرور من بشارته بالضرر العايد إلى عدوه. الثالث: أن في التنجية إشارة إجمالية إلى العذاب فإذا وقع العذاب بعده وقع بعد الطلب والواقع