شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧١
طالبة عند كون الاخرى مطلوبة ومطلوبة عند كون الاخرى طالبة، والوجه الثاني هو المراد هنا كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) (فمن طلب الآخرة) وسعى لها سعيها طلبا لمقاماتها العالية، وإنما قدم هنا طلبها على طلب الدنيا للاهتمام به، والتنبيه على أنه هو الذي يجب رعايته، وعكس في السابق باعتبار تقدم الدنيا على الآخرة وملاحظة وقوع طلبها في نفس الأمر (طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه) كما قال الله سبحانه * (وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) * وقال: * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) * وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لا يموت نفس حتى تستكمل رزقها " (١) وقال الصادق (عليه السلام) " لو كان العبد في جحر لآتاه الله برزقه " وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن أنت لم تأته أتاك " (٢) وقال: " يا ابن آدم لاتحمل هم يومك الذي لم يأتك على يومك الذي أتاك فإنه إن يك من عمرك يأتي الله فيه برزقك " (٣) وقيل لبعض الأكابر: قد غلا السعر، فقال: لو كان وزن حبة من الطعام بمثقال من ذهب ما باليت فإن علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا. ومن ثم قيل: أترك الدنيا وخذها فإن تركها في أخذها وأخذها في تركها (ومن طلب الدنيا) وسعى لها سعيها وصرف عمره الذي هو رأس ماله في ادخار متقنياتها (طلبته الآخرة) حتى يستوفي منها أجله (فيأتيه الموت فتفسد عليه دنياه وآخرته) أما فساد دنياه فلا نقطاعها عنه وعدم وفائها وزوال تصرفه فيها وعود ما جمعه إلى غيره حتى كأنه كان عبدا لذلك الغير، وأما فساد آخرته فلان صلاح الآخرة إنما هو باكتساب الأعمال المرضية وصرف الفكر في الأحكام النافعة الشرعية، وهما إنما يكونان قبل الموت وفي دار الدنيا، وهو قد كان في الدنيا عاملا للدينا، ومكتسبا لزخار فها، ومتفكرا في منافعها، وعبدا لغيره، فقد ظهر من هذا الحديث أن طالب الآخرة له الدنيا والآخرة وطالب الدنيا خاسر فيهما ونظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " الناس في الدنيا عاملان عامل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بيدها فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معا، وملك الدارين جميعا فأصبح وجيها عند الله تعالى لا يسئل الله حاجة فيمنعه " (٤) وفيه ترغيب في تفويض الرزق إلى الله تعالى والتوكل عليه وتنبيه ١ - (١ و ٢) رواه الكليني في الكافي ج ٥ ص ٨٠ باب الاجمال في الطلب من كتاب المعيشة. ٢ - ٣ - النهج أبواب الحكم تحت رقم ٣٧٩ بأدنى اختلاف. ٤ - أورده الشريف الرضى في النهج أبواب الحكم تحت ٨ قم ٢٦٩. (*)