شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٥
مقتضيات تلك الصفات، وترتقي إلى أعلى مدارج الكمالات الأبدية حتى تستحق أن يقال لها * (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) * ولها أن تمضي تلك المقتضيات وتسرح في مراعي هذه الصفات حتى ترتد إلى أسفل السافلين وتبعد عن رحمة رب العالمين (فأعطاه خمسة وسبعين جندا) في مقابلة ما أعطى العقل وكما أنهما متقابلان كذلك جنودهما متقابلان فحصل التكافؤ في الايجاد وتحقق التعاند والتضاد وبقيت العداوة بينهما إلى يوم التناد (١) وذلك لمصلحة ظاهرة يعلمها أولو الألباب وخفية لا يعلمها إلا علام الغيوب، وينبغي أن يعلم أن أجناس الفضائل باتفاق الحكماء أربعة الأول الحكمة، الثاني الشجاعة، الثالث العفة، الرابع العدالة وذلك لأن للإنسان قوى ثلاثة متباينة هي مبادي لآثار مختلفة مع مشاركة الارادة وإذا غلبت أحدها على البواقي صارت البواقي مغلوبة أو مفقودة وتلك القوى أولها قوة ناطقة وتسمى نفسا ملكية وهي مبدء الفكر في المعقولات والنظر في حقائق الامور. وثانيها القوة الغضبية وتسمى نفسا سبعية وهي مبدء الغضب والإقدام على الأهوال والتسلط والترفع على الغير، وثالثها القوة الشهوية وتسمى نفسا بهيمية في مبدء الشهوة وطلب الغذاء وشوق الالتذاذ بالمآكل والمشارب والمناكح، وإذا تحركت القوة الناطقة بالاعتدال في ذاتها واكتسب المعارف اليقينية حصلت فضيلة العلم والحكمة وإذا تحركت القوة الغضبية بالاعتدال وانقادت للقوة العاقلة فيما تعده حظا ونصيبا لها ولم تتجاوز عن حكمها حصلت فضيلة الحلم والشجاعة وإذا تحركت القوة الشهوية بالاعتدال وانقادت للقوة العاقلة واقتصرت على ما تعده العاقلة نصيبا لها ولم تخالفها في حكمها حصلت فضيلة العفة والسخاء وإذا تركبت هذه الفضائل الثلاثة وتمازجت حصلت حالة متشابهة هي فضيلة العدالة ثم إنه يندرج تحت هذه الأجناس الأربعة أنواع غير محصورة من الفضائل. أما الحكمة فالمشهور من أنواعها سبعة: الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، وأما الشجاعة فالمشهور من أنواعها أحد عشر: كبر النفس والنجدة والهمة والثبات والحلم ١ - وزعم بعض أهل عصرنا ممن له إلمام بالنقليات من غير نظر أن الجهل الذي يضاد العقل هو الجنون لأن العاقل ضد المجنون وجنود الجهل على ما هو مذكور في الحديث إحساسات وعواطف باصطلاح أهل العصر والجنون عبارة عن متابعة الاحساسات والعواطف كالغضب وعدم إدراك القبح والعفة والطيش والحزن والغم وغير ذلك فترى المجانين بعضهم يضحك وبعضهم يبكي وبعضهم يبطش على من يقر به وهكذا. وأقول هذا خبط وخروج عن أصول المذهب وطريقة أهل العلم فإن المجنون غير مكلف ولا يؤاخذ بشئ مما يرتكبه في الدنيا والآخرة والجاهل في هذا الحديث مؤاخذ بفعله شقي معدود من الاشرار مستحق للنار فما ذكره باطل جدا، وليس المراد بالجهل الجنون ولا ما يقرب من الجنون وليس في عدل الله وحكمته أن يجن أحدا ويعاقبه على أعمال المجانين. (ش) (*)