شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٢
والحزن الحاصلين له بسبب فقد الالفة بينه وبين بني نوعه وعشيرته أو بسبب الغربة والانفراد من جهة العزلة خصوصا في مباديها أو بسبب عدم تعاهده لذلك المكان إذ غير المألوف من المكان يوجب الوحشة كما يحكم به التجربة، ومحصل معناه أن المعتزل لو حصلت له وحشة ما لأجل تركه صحبة بني نوعه وعشيرته وسلوكه طريق الحق بالمحبة الراسخة والنية الصادقة والرغبة الكاملة كان الله أنيسه الذي يرفع وحشته ويدفع عنه حزنه وكربته ويصرف وجه قلبه إلى شطر كعبة وجوده ويسره بمطالعة أنوار كبريائه ومشاهدة إضافات جوده حتى يرى كل خير حاضرا وكل كمال ظاهرا، فهو بكرمه يألف، وبفضله يستزيد، وبرحمته يستفيض كل ما يريد. (وصاحبه في الوحدة) والله سبحانه وإن كان صاحب الكل في كل الأوقات كما قال الله تعالى: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) * لكن المقصود هنا إفادة الاختصاص كما يفيده الإضافة ووجه ذلك أن الرجل إذا ترك متاع الدنيا وأبناءها، وأعرض عن الاستماع به واقتنائه، واختار الوحدة والانفراد، وتمرن على الطاعة والانقياد، وأقبل بحسن الطوية إليها وحبس نفسه بزمام المشية عليها وفك عنه أغلال اللذات الدنيوية وقطع عنه أنواع العلاقات النفسانية والهيئات البدنية بحيث لا يبقى معه شئ إلا التفكر في ذاته وصفاته تعالى وما يوجب قربه يستقبله حينئذ نور الحق كما قال: " من تقرب إلي بذراع تقربت إليه بباع " (١) وينزله على بساط العز والمصاحبة ويشرفه بشرف الانس والمكالمة ويكرمه بأنواع التعظيم والمخاطبة حتى إذا ناداه أجابه بلبيك وإذا سكت ناداه يا عبدي أنا مشتاق إليك لم سكت عن عرض الحالات والمقالات بعد الترخص لك بالأجوبة والسؤالات وعند ذلك ينكشف عنه الحجاب ويسكن فيه عروق الاضطراب، ويزول عنه لواحق الوحشة والاغتراب، فيقول: لا إله إلا أنت ولا اشرك بك أحدا، وتسيل عليه الكرامات الإلهية والسعادات الربانية والكمالات النفسانية ما لم يكن يخطر بباله أبدا (٢) (وغناه في العيلة) الغناء بالفتح والمد النفع، وقيل: الكفاية وبالكسر والقصر اليسار والحمل على سبيل المبالغة أو المصدر بتأويل الفاعل، والعيلة بالفتح الفقر والفاقة يعني أنه سبحانه نفس غناه أو مغنيه في وقت حاجته وفقره لاغيره إذ ١ - الباع ضعف الذراع والخبر رواه البخاري في صحيحه ج ٩ ص ١٩٢. ٢ - وقد روى عن عمران بن الحصين وهو من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: كان يسلم على يعنى الملائكة كانوا يسلمون عليه في خلواته فاكتويت يعنى عالج نفسه في مرض طرى عليه بالكى وانقطع السلام منهم لكراهة العلاج بالكى ثم منع الراوي ان يروي حديثه مادام حيا لأنه خشى ان يهجم عليه الناس للتبرك به فيؤذوه أو يتوقعوا منه شيئا لا يقدر عليه وعمران هذا كان ممن رجع إلى امير المؤمنين وكان يندر على من قال برايه في المتعة وكشف الأمور الملكوتية لا يحصل إلا لمن يعتزل الناس ويانس بالوحدة (ش). (*)